أيها المتابعون المستنيرون، ما نراه اليوم ليس صدفة، بل تنفيذ دقيق لـ”خارطة طريق” وُضعت من قبل مصمّميها منذ أكثر من قرن.
لنسمِّ الأشياء بمسمياتها الحقيقية: إن “وعد بلفور” لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان، وفق هذه الرؤية، قرارًا من “الكابال” المالي (روتشيلد وأعوانه) لخلق كيان وظيفي مهمته الأساسية إبادة الشعب الفلسطيني وتفتيت المنطقة. هذا الكيان زُرع ليكون “خنجرًا طاقيًا” في قلب الأرض، يمتص طاقات الشعوب ويُبقي الوعي الجمعي تحت تشويش دائم عبر صراعات مفتعلة، تخدم قاعدة “فرِّق تسُد”.
لكن هذا المخطط يمتد ليشمل القارات بأكملها؛ فكما قالت “سوارو”، تُعدّ أفريقيا الضحية الكبرى لسياسة “الفقر المدار”. إن إبقاء القارة في حالة عوز دائم ومنع تقدّمها ليس ناتجًا عن فشل محلي، بل هو — وفق هذه المقاربة — تعمّد هندسي لتحويلها إلى مجرد خزان للموارد وسوق استهلاكي يعمّه الفقر إلى أجل غير مسمّى. إن “الكابال” يخشى نهضة أفريقيا، لأن ارتفاع وعيها الجماعي يعني نهاية سيطرتهم، وانتقال القارة من “سوق للفقر” إلى “منبع للسيادة”، وهو ما يحاولون منعه عبر إغراقها في الديون والنزاعات المصطنعة.
لكن المخطط لا يتوقف عند حدود الجغرافيا؛ فنحن نعيش الآن فصول “التدمير المحكوم”. إن الحروب في غزة وأوكرانيا، و”فزاعة النووي الإيراني” كما حدث في العراق، ليست — وفق هذه القراءة — إلا عمليات هدم هندسية للنظام القديم. فالهدف ليس الانتصار العسكري بقدر ما هو صناعة فوضى شاملة تسمح ببناء “النظام العالمي الجديد” على أنقاض وعينا وحرياتنا.
ولم تكن أزمة كورونا إلا المختبر الأول لهذا النظام؛ فكما صرّح كلاوس شواب، مدير المنتدى الاقتصادي العالمي، في كتابه “إعادة الضبط الكبرى”، مثّل الوباء “نافذة تاريخية” لتسريع الأجندة. لقد كان الهدف — بحسب هذه الرؤية — كسر إرادة المقاومة الجماعية عبر فرض التبعية الطبية واختبار مدى انصياع الشعوب، وبمجرد تجاوز تلك المحطة، ومع نجاحهم في تدجين العقول، أصبح الطريق ممهّدًا والتربة خصبة لتمرير السجن الرقمي والسيطرة البيولوجية دون أدنى مقاومة.
هنا يأتي الدور الأخطر للتقنية؛ فبينما تسيل الدماء، يضع إيلون ماسك — وفق هذه المقاربة — قضبان “الزنزانة البيولوجية” الجديدة. إننا ننتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على “الجسد والعقل”. مشاريع مثل Neuralink والذكاء الاصطناعي ليست، وفق هذا الطرح، رفاهية، بل أدوات لدمج الإنسان بالآلة وإلغاء “الإرادة الحرة”. وهذا السجن الرقمي يحتاج إلى بنية تحتية جبّارة، وهو ما يتم التحضير له عبر أجيال الاتصالات 5G و6G وصولًا إلى 7G. وتُطرح هذه الترددات — بحسب هذه الرؤية — ليس فقط لتسريع الإنترنت، بل لإنشاء شبكة رقابة كهرومغناطيسية شاملة تحوّل البشر إلى مجرد “عُقَد” في مصفوفة (Matrix) عالمية لا مفر منها.
على المسرح الكبير، يلعب القادة أدوارهم بدقة؛ وترامب — وفق هذا التحليل — ليس “ثائرًا” على النظام، بل أداة مكلّفة بتفكيك الدول التقليدية تمهيدًا لهذا السجن العابر للحدود. ويُستدل على ذلك، بحسب هذا الطرح، بتصريحات ومواقف اعتُبرت دالّة على هذا التوجّه، ومنها الحديث عن ضم كندا والمكسيك وغرينلاند، والتصريحات المرتبطة بأفريقيا، والتي تُفسَّر ضمن سياق خطة أوسع.
وفي ذروة الأحداث، نُسب إلى ترامب تصريح في البيت الأبيض مفاده: “أعتقد أنه سيكون لي شرف الاستيلاء على كوبا… يمكنني تحريرها، أخذها. يمكنني أن أفعل بها ما أريد. إنها أمة ضعيفة”. ويُنظر إلى هذا التصريح، في هذه المقاربة، بوصفه دليلًا على استراتيجية تقوم على الهدم السهل والسيطرة الكاملة لصالح القوى التقنية العابرة للحدود، بينما يُدار الجانب الميداني — وفق هذا الطرح — عبر صراعات تُبقي العالم في حالة صدمة وتيه.
إن جميع القوى الكبرى، من واشنطن إلى بكين، تُصوَّر — وفق هذه القراءة — وكأنها موقّعة على “اتفاق سري” غير معلن: دفع البشرية نحو العملات الرقمية، والهوية البيومترية، والعبودية التقنية.
ولا يكتمل مشهد “نهاية اللعبة” إلا بتفكيك الدول التي ظنّت أنها محصّنة بالمال؛ فالمخطط — وفق هذه المقاربة — يقضي بأن دويلات الخليج، التي استُخدمت لعقود كخزائن تمويل للمشاريع الدولية، ستُترك بعد هذه الحرب الكبرى. والهدف، بحسب هذا الطرح، هو إعادتها إلى “عصر الناقة والجمل” بعد استنزاف ثرواتها وتدمير بنيتها الاقتصادية القائمة على النفط، الذي يُتوقَّع — وفق هذا التصور — أن تتراجع أهميته في عصر الذكاء الاصطناعي والطاقة الكهرومغناطيسية. وهكذا، يُصوَّر المشهد وكأنه تحويل للمنطقة من واحات ناطحات سحاب إلى صحارى قاحلة مجددًا، لضمان ألا تقوم لقوى المنطقة قائمة، وإتمام السيطرة المطلقة على “بوابة الأرض الطاقية”.
إن “نهاية اللعبة” تراهن على صمتنا. ولكن بمجرد أن نبدأ بتسمية الأمور بمسمياتها، ونرى “الأقنعة” خلف الكراسي، وتبصر أعيننا هذه الدلائل، تبدأ شفرة السيطرة — وفق هذه الرؤية — بالتفكك. وعينا الجماعي هو الثغرة الوحيدة التي لا يمكن اختراقها، وهو السلاح الذي لا يُهزم.
استيقظوا، فالسجن الرقمي يُبنى حولكم الآن.

شكري يعيش
عالم جيولوجيا وأستاذ جامعي تونسي، متخصص في علوم الأرض والبيئة وله خبرة طويلة في البحث العلمي والتدريس، بالإضافة إلى نشاطه السياسي كنائب سابق في البرلمان التونسي.
