طرابلس تحت النار: طلّاب، أئمة ونواب في صدام ديني وقانوني يفتح ملفات التعايش المفقود

أمس، شهدت طرابلس ليلة ساخنة بعد انتشار فيديو داخل مدرسة يظهر طلاباً يرفضون المشاركة في أعياد المسيحيين. المقطع أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وتضخمت تداعياته إعلامياً واجتماعياً بين من اعتبره تعبيراً عن قناعة دينية ومن رآه سلوكاً إقصائياً. تحرك القضاء بسرعة، ففتح النائب العام الاستئنافي تحقيقاً لتحديد المسؤوليات، وتم توقيف المصور والمتورطين، لمتابعة الإجراءات القانونية وفق البيانات الرسمية الصادرة في المدينة.

في أيلول الماضي أثار إمام مسجد مجدل عنجر، الشيخ عدنان أمامة، جدلاً بعد تحذيره من حقيبة مدرسية تحمل شارة الصليب. سخر كثيرون معتبرين أن الرمز لا يحمل دلالة دينية واضحة، إلا أن الصليب في جوهره رمز ديني معروف. من حق رجل الدين تحذير المؤمنين وفق عقيدته، مع احترام الآخرين. ويفترض التعامل مع هذه المواقف بهدوء ومسؤولية، بعيداً عن التحريض الإعلامي أو السخرية التي قد تؤجج الانقسام الطائفي.

أثارت النائبة اللبنانية رولا طبش جدلاً واسعاً عام 2019 بعد مشاركتها في قداس وتلقيها بركة كاهن خلال الطقس الديني. واجهت انتقادات من جهات اعتبرت ذلك مخالفة لانتمائها الديني، بينما أكدت طبش أن حضورها كان في إطار التعايش واحترام الآخرين دون تغيير معتقدها. تحولت القضية إلى نقاش عام حول حدود المشاركة الدينية للشخصيات العامة، وأسئلة حول الدور الرمزي للمسؤولين وتأثير تصرفاتهم على الرأي العام في مجتمع متعدد الطوائف.

كما أثار الأب عبدو رعد جدلاً عندما تلا آيات من القرآن خلال احتفال أقيم في مليتا، ما فاجأ بعض الأوساط الكنسية التي اعتبرته تجاوزاً للدور الكهنوتي. أكد رعد أن الهدف كان تعزيز التعايش والاحترام المتبادل بين الأديان. تدخلت المرجعيات الكنسية لتوضيح الموقف، مؤكدة التمسك بثوابت الإيمان المسيحي، ودعم الحوار بين الأديان والحفاظ على الوحدة المجتمعية، مع تجنب أي ممارسات قد تُفهم على أنها مساس بالرموز الدينية للطوائف الأخرى.

على الرغم من أن المسيحية والإسلام أديان سماوية، ويعتبر الإسلام المسيحيين من أهل الكتاب، ثمة خلافات جوهرية بينهما. يعتقد المسلمون أن الإنجيل الموجود بين أيدي المسيحيين تعرض للتحريف عن نصه الأصلي، ما يشكل اختلافاً أساسياً في العقيدة. كما تختلف المسيحية الحديثة بما تمثله الكنيسة من ممارسات طقسية وتنظيمية عن الإسلام القائم على التوحيد الخالص، ما يخلق فروقاً واضحة في المعتقدات والممارسات الدينية بين الأديان السماوية.

ينص الدستور اللبناني على حق كل مواطن باختيار معتقده الديني أو الفكري بحرية دون أي ضغط أو إجبار. تكفل الدولة عدم فرض دين معين على أي فرد، مما يتيح حرية المعتقد والتعبير الشخصي. يشمل ذلك أن يكون المواطن مسلماً أو مسيحياً أو ينتمي لأي دين آخر، أو أن يختار عدم الانتماء لأي دين. تحمي هذه المادة الدستورية التنوع الديني وتعزز التعايش السلمي بين الطوائف والمجتمعات المختلفة.

يحمي الدستور حرية المعتقد لكل فرد، لكنه يضع حدوداً تمنع انتهاك حقوق الآخرين. يمنع القانون إهانة أو السخرية من معتقدات الآخرين، سواء كانوا من دين مختلف أو غير مؤمنين، للحفاظ على التعايش السلمي. أي أن إساءة للرموز الدينية أو الممارسات العقائدية تعد تعدياً على حق الآخرين في ممارسة دينهم بحرية. يهدف هذا الإطار الدستوري لضمان الاحترام المتبادل ووحدة المجتمع وتجنب النزاعات الدينية والطائفية.

مع ذلك، يبدو أن الدستور كفل الحقوق على الورق، لكنه يفتقر إلى المراسيم التطبيقية التي تحدد التفاصيل الدقيقة. رفض عقيدة الآخر أو إنكارها يدخل في صميم العقيدة التي يعتنقها المواطن، ما يخلق تضارباً بين حرية المعتقد الفردية وحق الآخرين في الاحترام. هذا الواقع يعكس صعوبة تطبيق النصوص عملياً ويستدعي وضوحاً أكبر في التشريعات لضمان التعايش السلمي بين الطوائف.

الإسلام يُعتبر دين دولة، أي أن تشريعات الدولة تستقى من الشريعة الإسلامية. هذا يفرض على المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، الالتزام بأحكام الشريعة في جوانب معينة من حياتهم القانونية، وليس بالقوانين المدنية الوضعية التي قد تتعارض معها. أي تخطٍ يُعتبر مخالفة للشريعة، ما يجعل التعايش مع أتباع ديانات أخرى صعباً، خصوصاً إذا أصرّت الدولة على تطبيق الشريعة فعلياً، متعارضاً بذلك مع الحقوق المدنية لغير المسلمين.

في ضوء هذه الوقائع، يكفي مداهنة أو مسايرة بين الطوائف ورؤسائها، فالتصادم مع الواقع صار محتوماً إذا لم تُبنَ السياسات على الحقائق. لبنان بحاجة إلى رؤية مستقبلية ترتكز على الواقع الاجتماعي والديني، تحدد الحقوق والواجبات بوضوح، وتوازن بين حرية المعتقد والالتزام بالقوانين، لضمان استمرار التعايش الحقيقي بين مكونات المجتمع المتنوعة.

مقالات الكاتب

شفيق حبيب

ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.