ظاهرياً، يبدو المشهد السياسي اللبناني محكوماً بإجماعٍ لفظي على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، إلا أن الواقع العملي يوحي بعكس ذلك تماماً. فكل المؤشرات تدلّ على أن القوى السياسية الكبرى تمارس لعبة مزدوجة العناوين، ظاهرها الحرص على الاستحقاق، وباطنها السعي إلى تأجيله أو نسفه، عبر ذرائع جاهزة تُحضَّر بعناية خلف الكواليس.
في طليعة هذه الذرائع، يبرز ملف اقتراع المغتربين، الذي يبدو أنه سيتحوّل إلى الشمّاعة المريحة لتبرير التأجيل. فنشاط وزير المغتربين شبه غائب عن الساحة الخارجية، وحملاته لحثّ اللبنانيين المنتشرين على التسجيل لا تكاد تُذكر، في وقتٍ يدور فيه وزير الداخلية في حلقةٍ مفرغة من التصريحات والتعميمات التي لا تفضي إلى نتيجة ملموسة.
أما رئيس الحكومة، فاختار الصمت المبطّن بالتريّث، إذ إنه لم يُبادر حتى الساعة إلى طرح الاقتراح الذي تقدّم به وزير الخارجية لإقراره وإحالته إلى مجلس النواب بصفة المعجّل المكرّر. وفي المقابل، يبدو رئيس الجمهورية منشغلاً في فضاء آخر، يغرد خارج سرب الاستحقاق، وكأن البلاد لا تقف على أعتاب أزمة دستورية جديدة.
وسط هذا المشهد الرمادي، لا يمكن تجاهل السجال “اللطيف” الدائر مؤخراً بين نبيه بري وسمير جعجع. فالكلمات المرتفعة السقف لا تخفي واقع أن الخلاف المسرحي بين القطبين ليس سوى واجهةٍ لتحالفٍ غير معلن، يجمعهما منذ عقود في مفاصل التسويات الكبرى. فالعلاقة بين عين التينة ومعراب، مهما تظاهرت بالقطيعة، تبقى أشبه بـ”زواج ماروني” سياسي، الطلاق فيه محرّم ولو تعالت الأصوات واشتدت المواقف.
إن ما يُحاك اليوم في الكواليس أخطر مما يُقال في العلن. فحين تتفق القوى المتصارعة ظاهرياً على تعطيل آليةٍ ديموقراطية، يصبح الشعب مجدداً هو الضحية الصامتة في مسرحية الحكم.
لذلك، حذارِ أيها اللبنانيون، وكونوا يقظين لما يجري من حولكم. فالتأجيل، على ما يبدو، بات مشروعاً متدرّجاً يجري تنفيذه بهدوءٍ مريب، في وقت لم يعد لبنان قادراً على تحمّل انتخابات مؤجّلة أخرى، لأن تأجيلها هذه المرّة سيكون كارثياً.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
