عرّى الانهيار المالي الحاصل منذ 6 سنوات السياسات الصحيةَ التي انتهجتها السلطة السياسية (الحكومة ومجلس النواب) منذ عقود، والقائمة على ذهنية التجارة والانتفاع على حساب صحة المواطن اللبناني. لتكون النتيجة، بحسب دراسة نشرتها مجلة Frontiers العام الحالي، أن أقل من نصف السكان يحصلون على التغطية الصحية، كما أنّ تقريراً لمجلة The Monthly أشار إلى أن حوالي 51.7 بالمئة من اللبنانيين ليس لديهم تغطية صحية كافية. بالتالي يمكن تلخيص الوضع الاستشفائي في لبنان كالتالي: رغم وجود أنظمة للتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، فإن جزءاً كبيراً من السكان لا يحظى بتغطية كافية أو مستقرة، فالكلفة المالية والضغوط الاقتصادية (تدهور العملة، ارتفاع الأسعار، ضعف التمويل) تجعل من التغطية الصحية فعلياً أقل مما كانت عليه قبل الأزمة.
الحلو: الوزارة تؤمّن الطبابة لنصف الشعب اللبناني
هذا الاستنتاج يؤكده لموقع “بيروت 2030” مستشارُ شؤون الصحة والاستشفاء وإدارة المستشفيات الدكتور جوزيف الحلو، موضحاً أن “نصف الشعب اللبناني من دون أي رعاية صحية من صندوق ضامن، وأن سياسة وزارة الصحة تقوم على أن أي لبناني ليس لديه تأمين صحي أو صندوق ضامن يتم تطبيبه على نفقتها، والكلفة يتم تأمينها عاماً بعد عام من قبل الوزارة، لتشمل أكبر عدد ممكن من غير المضمونين من خلال رفع ميزانيتها، وبعد سنوات من المعاناة، تمكنت الوزارة من تغطية عمليات جراحية كنا نحلم بتغطيتها خلال الأزمة”.
ميرزا: خسائر شركات التأمين 140 بالمئة عام 2024
هذا التحول في السياسة الاستشفائية يؤكده أيضاً نقيبُ أصحاب شركات التأمين أسعد ميرزا لـ”بيروت 2030″، بالقول: “بعد الأزمة، تغيّرت نوعية التأمين الصحي، واللبنانيون لم يعد لديهم مدخول مالي كافٍ لدفع كلفة التأمين الخاص، فتراجع عددهم، ومن يستطيع حالياً دفع كلفة بوليصة التأمين تغيّرت أولوياته، فمن كان يؤمّن على الدرجة الأولى بات اليوم يقبل بالدرجة الثانية والثالثة، والعديد من عملائنا يطلبون منا تقسيط المبلغ على عدة أشهر. وبالأرقام، في العام 2019 كان لدى شركات التأمين 900 ألف بوليصة تأمين صحي، واليوم العدد 650 ألف بوليصة”.
يضيف: “كل شركات التأمين تُسجّل خسائرها في العام 2024 في الشق المتعلق بالطبابة، لأن الضمان ووزارة الصحة لا يقدّمان التغطية الصحية بالشكل المطلوب، والعبء تحمّلته الشركات. كما أن حالات الإصابة بمرض السرطان في تزايد مستمر، وكذلك ارتفع عدد الإصابات بكسر المفاصل والأحواض التي تتطلب زرع بديل صناعي”، شارحاً أن “كلفة هذه العمليات عالية، والمستشفيات تحدد كلفتها بشكل مضاعف ومبالغ فيه، وهناك مستشفيات فواتيرها غير شفافة، وتقوم الشركات بالتدقيق فيها والرقابة، ومع ذلك سجلت شركات التأمين خسائر بنسبة 140 بالمئة”.
ويختم: “استمرار الشركات في السوق سببه اتكالها على أرباحها من الاستثمار والفوائد، وليس من الملفات الطبية والتقنية. وهناك اعتراض من مساهمي الشركات يطالبون بأرباحهم السنوية”.
أرقام ونِسَب التغطية
في ما يتعلق بخارطة توزيع التغطية الصحية حسب الفئة في لبنان، هناك نحو 47 بالمئة من اللبنانيين فقط لديهم تغطية تأمينية صحية رسمية، منها حوالي 23 بالمئة تغطيتهم من صندوق الضمان الاجتماعي (NSSF)، و9 بالمئة من المؤسسات العسكرية، و7 بالمئة من التأمين الخاص، و4 بالمئة من تعاونية موظفي الدولة، و4 بالمئة من نقابات مهنية خاصة. وتغطي وزارة الصحة اللبنانية بعضَ العمليات الجراحية للمرضى غير المضمونين بناءً على نسبة تحمّل تختلف حسب نوع المستشفى؛ إذ تغطي الوزارة 80 بالمئة من التكاليف في المستشفيات الحكومية و65 بالمئة في المستشفيات الخاصة. وقد تتغير نسبة التغطية بناءً على الاتفاقيات الوطنية والبروتوكولات المعمول بها.
كركي: تقديمات الضمان عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة
على ضفّة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يشرح المدير العام للصندوق، الدكتور محمد كركي، لـ”بيروت 2030″ أن “تقديمات الضمان عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، بعدما فقدت قيمتها الفعلية جراء الانهيار المالي وتدهور قيمة الليرة اللبنانية. فبعد عودة احتساب تغطية الأدوية والطبابة والاستشفاء على دولار 89,500 ليرة، تعود تغطية الضمان للمستلزمات الطبية إلى نسبة 90 بالمئة، ويكون الصندوق قد سجل تعافياً سريعاً مقارنة مع مؤسسات أخرى”، لافتاً إلى أنه “بالنسبة للقرار الأخير عن المستلزمات الطبية الذي اتخذه مجلس الإدارة، والذي يتبنى اقتراح إدارة الضمان بإقرار لوائح الأدوات والمستلزمات الطبية التي أعدّتها لجنة كلفها المدير العام للضمان، يُعدّ من أهم الإنجازات في العام 2025 بالنسبة للتقديمات الصحية، لأنه عملياً (بعد موافقة سلطة الوصاية عليه) يعني أنه قبل انتهاء هذا العام ستعود كل تقديمات الضمان الصحية كما كانت عليه قبل الأزمة”.
ويكشف أنه “بعد عدة أشهر من العمل، تمكّنا بجهد فريق من الضمان: رئيس الأطباء وثلاثة أطباء مراقبين، الذين عملوا مع فريق من وزارة الصحة، من تخفيض المستلزمات من 90,000 إلى حوالي 39,200 مستلزمة طبية، وأخذنا قراراً بالموافقة على هذا الأمر”، مشدداً على أن “ملف المستلزمات الطبية كان شائكاً بسبب تنوعه، وتمكّنا من إنجازه بالتعاون مع وزارة الصحة العامة، لأننا استندنا إلى قاعدة المعلومات الكبيرة الموجودة في وزارة الصحة، والتي تتضمن أكثر من تسعين ألف مستلزم وأداة طبية، وحان الوقت لتسجيلها في الوزارة كما هو حال الأدوية”.
هذا ويعتبر كركي “أن أهم تطورين حصلا على صعيد الصندوق هما: مساهمته بتغطية المريض صحياً بنسبة 90 بالمئة كما كانت قبل الأزمة، والثاني هو وضع آلية تنفيذية، ما يعني أنه ستوضع على المنصة التابعة للضمان الاجتماعي كلُّ المستلزمات والأسعار المحددة والمسجلة في قواعد وزارة الصحة، أي إن كل التفاصيل ستكون واضحة أمام المريض وبشكل سهل، مما يمكّنه من مراسلة الصندوق من داخل المستشفى، وبعد تدقيق الأطباء المراقبين في نوع المستلزمة الطبية التي تتطلبها العملية، تتم الموافقة الفورية من دون أي تأخير”.
ويشرح أن “التغطية الجديدة تركز على 3 محاور أساسية:
- جراحة العظام (Orthopedic): وتضم أكبر فئة من حيث عدد المستلزمات، وتشمل نحو 30 ألف مستلزم أي ما يعادل 70 بالمئة من العدد الإجمالي، بقيمة 9.3 ملايين دولار، من زرعات ومسامير وصفائح جراحية ومفاصل صناعية.
- أمراض القلب (Cardiology): تشمل نحو 4000 مستلزم طبي بقيمة 7.1 ملايين دولار، منها أجهزة القسطرة والشبكات التاجية والصمامات الاصطناعية وأجهزة تنظيم ضربات القلب.
- مستلزمات العيون: تشمل العدسات الخاصة بعمليات المياه البيضاء والزرقاء، مع استمرار العمليات المدرجة في التعرفة المقطوعة ضمن نظامها الحالي حتى اكتمال المنصة الرقمية”.
ويختم: “بهذه الطريقة نكون قد أمّنا تغطية صحية للمضمون بنسبة 90 بالمئة، وأعدنا تغطية المستلزمات الطبية بعد ترتيب اللوائح واختصارها، والأهم أننا وضعنا آلية تنفيذية شفافة ورقابة دقيقة لضبط الإنفاق، لأن كلفة المستلزمات الطبية تتراوح بين 20 و30 بالمئة من إجمالي الإنفاق الصحي”.
عبدالله: البطاقة الصحية قريباً لحفظ كرامة الشعب اللبناني
على ضفة لجنة الصحة النيابية، يوضح رئيسها الدكتور بلال عبدالله لـ”بيروت 2030″ أن “الانكشاف الاستشفائي للشعب اللبناني كان أكبر في بداية الأزمة مما هو عليه حالياً، لأن صندوق الضمان خسر كل مدخراته في مصرف لبنان، وحالياً استرجع الصندوق قدراته التي تؤمّن الاستشفاء لـ30 بالمئة من الشعب اللبناني”.
يضيف: “كلجنة صحة نيابية قدمنا مشروعاً حضارياً يحاكي المعايير الدولية، واستغرق إعداده فترة طويلة، وتم تقديمه إلى مجلس النواب باسم اللقاء الديمقراطي تحت اسم نظام التغطية الصحية الشامل بالبطاقة الصحية. وقد حوّلته رئاسة المجلس مباشرة إلى اللجان المشتركة، ومن ثم إلى لجنة فرعية ترأستها، وناقشنا الاقتراح على مدى 20 جلسة، وتمّ تعديل معظم المواد، وبات مشروع القانون جاهزاً في صيغته النهائية”، لافتاً إلى أن “هذا القانون في عهدة اللجان المشتركة ونأمل أن تتم مناقشته وإقراره في أقصى سرعة ممكنة، ليؤمّن التغطية الاستشفائية ليس فقط للنصف المتبقي من الشعب اللبناني، بل ليكون هناك أيضاً تغطية وقائية لكل اللبنانيين، لأن القانون يواكب المعايير الدولية ويحاكي حاجات الشعب اللبناني، ويعيد إليهم كرامتهم بعد أن فقدوها خلال سنوات الأزمة”.
يبدي عبدالله “تفاؤله بأن البطاقة الصحية سترى النور، لأن الدولة اللبنانية والرؤساء الثلاثة ووزير الصحة مواكبون لمشروع القانون، وهناك تناغم وتوافق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول هذا الملف، على أمل إقراره قبل نهاية ولاية المجلس الحالي، لنكون مطمئنين إلى إرساء الأمن الاجتماعي والصحي للمواطنين”.
ويختم: “الحق بالصحة مكفول بالدستور والمواثيق الدولية، ولذلك لا يمكن أن يعارضه أي طرف، لأنه ضروري للحفاظ على كرامة الإنسان”.
سكرية: 80 بالمئة من ميزانية وزارة الصحة تذهب للمستشفيات الخاصة!
يقارب النائب السابق الدكتور إسماعيل سكرية ملف الاستشفاء في لبنان من زاوية مختلفة عن تلك التي ينطلق منها المسؤولون الرسميون، فيقول لـ”بيروت 2030″: “لطالما رددتُ أن شعار الاقتصاد الحر في لبنان استُخدم من قبل المستشفيات والقطاع الصحي ككلمة حق يُراد بها باطل، لأن الذهنية التجارية لها الدور الأساس في الموضوع”، مشدداً على أن “قانون إنشاء وزارة الصحة عام 1946 ينص على 3 مهام هي: التوعية، الوقاية، والرعاية، لكن الوزارة تحولت بعد الحرب إلى ما يشبه مصرفاً مالياً، يستفيد القطاع الخاص من ميزانياتها بنسبة 80 بالمئة بسبب الفساد والذهنية التجارية التي تطغى على الواقع الاستشفائي”.
ويعطي سكرية مثالاً على ذلك بأن “مستشفيات لبنان تستخدم آلات التصوير CT Scanner (سيتي سكانر) سبعة أضعاف مما تستخدمه مستشفيات فرنسا، وتستعمل MRI Scanner (الرنين المغناطيسي) خمسة أضعاف مما هو الحال في فرنسا وبلجيكا، وذلك لأسباب ربحية وتجارية”.
ويرى أنه “بعد الانهيار الاقتصادي حصل اختلال في المعادلة الصحية، إذ ضعفت قدرات المواطن اللبناني وارتفعت تكاليف الاستشفاء والمستلزمات الطبية والمصاريف التشغيلية، لكن المستشفيات في لبنان تعودت على جني الأرباح غير الشرعية، ولذلك تقوم بتضخيم الفواتير مما يصعّب على المواطن دخول المستشفى، وحتى المرضى المضمونين يدفعون من جيوبهم فروقات لا يجب دفعها”.
البطاقة الصحية… تجارة
يضع سكرية إطلاق البطاقة الصحية المرتقبة في الخانة نفسها التجارية، ويعطي مثالًا على كلامه بأنّ قانون معالجة المعوقين في المستشفيات مجاناً الذي أصدره مجلس النواب كان حبراً على ورق. يومها كان نائباً وقال إنه إذا لم يكن هناك صندوق خاص يغذّي هذا القانون لمدّة خمس سنوات لضمان استمرارية تطبيقه، فإنه يتحفّظ على التصويت لصالحه، لأنه سيتحوّل إلى شيك بلا رصيد، وهذا ما حصل. وتكرّر الأمر مع البطاقة الصحية الموحّدة التي قدّمها أحد وزراء الصحة، والتي أشعلت مجلس النواب بالتصفيق؛ يومها سجّل موقفه بأن هذه البطاقة لا تملك مقوّمات استمرارها لأنها لا تستند إلى دعمٍ مادي يضمن ذلك، ومن حينها لم يعد أحد يسمع بها.
ويعبّر سكرية عن اعتقاده بأن قانون البطاقة الصحية الذي سيصدره مجلس النواب سيكون له المصير نفسه، لأنه لا يملك مقومات الاستمرار المادية في ظل الوضع المالي المأزوم الذي نعيشه، معتبراً أنّه ليس أكثر من شعارات انتخابية في الأغلب.
مجلس النواب شاهد زور!
ما هي الطريقة الأمثل إذاً لمقاربة الملف الاستشفائي؟ يجيب سكرية: “هناك شقّ نظري يقول إنّ الاستشفاء يتمّ عن طريق دعم المستشفيات الحكومية كي تتمكّن من لعب دورها وتخفيف الضغط عن المستشفيات الخاصة. وفي الوقت نفسه دعم مراكز الرعاية الصحية لنشر التوعية، ممّا يخفّف من عبء الفاتورة الصحية. أمّا عملياً، فلن يحصل أيّ تطوّر في ظلّ وضع اقتصادي منهار وفساد أخلاقي وسياسي”.
ويعتبر أنّ مجلس النواب لعب دوماً دور شاهد الزور في ما يتعلّق بصحة المواطن اللبناني، بدءاً من العام 1960 حين سقطت كل تجارب الإصلاح الاستشفائي على يد النائب فريد جبران، الذي قدّم مشروع قانون لتكون الدولة شريكاً في استيراد الأدوية وتخفيض الفاتورة الاستشفائية بنسبة 50 بالمئة، لكنّ جلسة مناقشة القانون لم يكتمل نصابها. وتكرّر الأمر في العام 1971 مع النائب إميل البيطار، الذي أصدر قراراً بتخفيض أسعار الأدوية فواجه معارضة شديدة، وتمّ سحب أدوية من السوق، وفشل في إقناع النواب بعقد جلسة لإقرار قانون بتخفيض سعر الأدوية. وفي العام 1992 انطلق مكتب الدواء وتم تخصيص خمسة مليارات ليرة له، ولكن التجربة سقطت.
ويختم: “لا أمل بالنهوض بدولة القانون والعدالة الاجتماعية إلا بتثقيف اللبنانيين بثقافة المواطنة كي يعرفوا حقوقهم ويدافعوا عنها بالمساءلة والمحاسبة. وهذا ما يمكن تطبيقه في الانتخابات النيابية المقبلة، من أجل احترام كرامتهم الصحية والحفاظ عليها، وفصلها عن عصبيتهم السياسية والطائفية”.

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
