بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت، تسرّبت معلومات تفيد بأنه طلب إجراء تعديلات أساسية على قانون الفجوة المالية، ولا سيّما في ما يتعلّق بفلسفته وتوزيع الخسائر، إضافةً إلى تعديلات على قانون إصلاح المصارف، ووضع إطارٍ متوسط الأجل للمالية العامة للدولة.
بمعنى آخر، أبلغ وفد الصندوق المعنيّين بالأمر أنه لن يقبل بخروج لبنان عن المنهجية التي يعتمدها لتنفيذ الإصلاحات، والتي يُفترض أن تفضي لاحقاً إلى توقيع اتفاق، وأنه مُصرّ على أن تُجري الحكومة اللبنانية تعديلين أساسيين على قانون إصلاح المصارف الذي أُقرّ في البرلمان اللبناني في تموز 2025، ولا سيّما البند المتعلّق بالهيئة المصرفية العليا، التي من المفترض أن تتولّى قيادة عملية هيكلة المصارف. إذ يبدو أن تشكيل هذه الهيئة يعتريه شبهة تضارب مصالح، ولا سيّما في ما يتعلّق بوجود ممثّل عن الهيئات الاقتصادية يمثّل المصارف داخلها، الأمر الذي يجعل من غير الجائز، وفق هذا المنطق، إجراء هيكلة للمصارف بوجود ممثّل عنها ضمن الجهة الناظمة للعملية.
كما طالب وفد الصندوق بتعديل فلسفة قانون الفجوة المالية، القائمة، وفق ما ورد في نصّ القانون، على شطب ما بين 35 مليار دولار من الودائع (المصنّفة كودائع غير مشروعة)، على أن تبقى نحو 50 مليار دولار تُوزّع بين مصرف لبنان والمصارف. وهو ما يرفضه الصندوق، إذ يطالب بإجراء تدقيق شامل في مصرف لبنان لمعرفة الحجم الفعلي للخسائر في المصرف المركزي والمصارف والودائع، ما يعني عملياً إعادة صياغة القانون من جديد، وهو أمر ليس بالسهل.
في مقابل هذه المطالب، تتمسّك حكومة الرئيس نواف سلام بمقولة مفادها أن قانون الفجوة المالية الذي وضعته وأقرّته ليس مثالياً، لكنه «أفضل الممكن». كما أن هناك أطرافاً سياسية ومصرفية لبنانية تعتبر أنه ليس من الضروري تنفيذ كل ما يطلبه الصندوق، تحت شعار وجود خصوصية للوضع اللبناني. ومن هنا يبرز السؤال: هل يمكن للبنان القفز فوق مجمل المطالب والتعديلات التي يطلبها الصندوق؟ وما هو الثمن السياسي والاقتصادي لذلك؟ وهل صحيح أن قانون الفجوة، بصيغته الحالية، هو أقصى ما يمكن أن تقدّمه الحكومة؟
الجواب، بالنسبة إلى الوزير السابق والخبير المصرفي عادل أفيوني، في حديثه إلى «بيروت 2030»، يبدأ «بالتنويه بالمجهود الذي قامت به هذه الحكومة لتقديم مشروع قانون وإطار للحل بعد طول انتظار، لكن الجميع، بمن فيهم القيّمون على المشروع، أقرّوا بأنه ليس مثالياً ويمكن تحسينه».
ويعتبر أن «من واجبنا تحسين هذا المشروع وتحصينه، حتى لا تستغلّ قوى التعطيل، كما عهدناها في كل محاولة إصلاح، الثغرات الموجودة فيه وتستخدمها ذرائع لإجهاض الخطة والاستمرار في التأجيل».
ويجزم بأن «التعاون لمعالجة الثغرات فيه هو أفضل وسيلة لتسريع وتسهيل إقراره، إذ إن هناك من يراهن على تعطيل هذا المشروع وتأجيله إلى ما بعد الانتخابات النيابية، أي على الأقل سنة إضافية من الانتظار والمعاناة لعشرات الآلاف من المودعين، بعد أكثر من ست سنوات مرّت على الانهيار. لذلك، فإن أفضل طريقة لمواجهة قوى التعطيل هي قانون مُحصَّن، يعالج الثغرات ويطبّق مبادئ العدالة الاجتماعية وتراتبية توزيع الخسائر البديهية والعلمية، من دون أي مساومة».
ما هي أهم محاور التحسين؟
يجيب أفيوني: «أولاً، إعادة النظر في طريقة التعامل مع ما سُمّي «الودائع غير المشروعة». فهذا البند، برأيي، يُناقض مبادئ تراتبية توزيع الخسائر بطريقة خطيرة، إذ يشطب جزءاً كبيراً من الودائع بذرائع متعددة. وهذا الشطب، ناهيك عن إشكاليته من حيث المبدأ، يتمّ، بحسب اقتراح القانون، قبل شطب الرساميل، أي إن الشطب يصيب المودع أولاً ويخفّف خسائر المصارف عبر تخفيض مطلوباتها، ما يُخالف مبادئ توزيع الخسائر البديهية».
ويضيف: «ثانياً، إعادة النظر في طريقة التعامل مع الودائع التي تفوق 100 ألف دولار. فهذه الخطة تعوّض هذه الودائع عبر إصدار أكثر من 30 مليار دولار من السندات الطويلة الأجل والصفرية المردود. وبكل بساطة، لا يملك المصرف المركزي ولا المصارف اليوم ما يكفي لتحمّل هذا الحجم من الديون. وبالتالي، فإن هذا البند يشكّل تمديداً لأزمة المودعين لعشر سنوات إضافية على الأقل، ومن دون أي ضمانات أو مردود. وهذا أمر غير عادل، ويمدّد محنة مودعين تشكّل أكثريتهم من الطبقة الوسطى، ومن المتقاعدين والجمعيات، وقد فقدوا مدّخراتهم وجنى أعمارهم، ويعانون منذ أكثر من ست سنوات في انتظار الفرج».
يرى أفيوني أنه «من الضروري تحسين وتسريع المردود والتسديد لهذه الفئة من المودعين، عبر الاستعاضة عن السندات الثابتة عديمة المردود بأسهم تمنح حامليها مساهمة أسرع وأعلى، ضمن صندوق مُخصّص حصرياً لتعويضهم، على أن تُسدَّد لهذه الأسهم مردودية سنوية من الصندوق، ويتمّ تمويله من مساهمات متعدّدة، منها: مساهمة من أي ربح سنوي تحقّقه المصارف، وهذا حقّ المودع البديهي، لأن الأولوية في الحق الاقتصادي في المصرف المتعثّر هي للمودع؛ ومساهمة من أي تحسّن سنوي في مالية الدولة أو إيراداتها أو في الناتج المحلي، وهذا أيضاً حقّ، لأن على الدولة مسؤولية مالية واجتماعية جسيمة في تعويض المودعين؛ ومساهمة من أي عملية استرجاع لأموال منهوبة أو غير مشروعة، وهذا كذلك حقّ طبيعي للمودع، لأنه يدفع ثمن الفساد والمحسوبيات؛ إضافة إلى مساهمة من أي تحسّن في إيرادات المصرف المركزي، سواء من الذهب أو من أي أصول أخرى».
المحور الثالث لتحسين قانون الفجوة، برأي أفيوني، هو «إعادة النظر في طريقة التعامل مع المودعين وفق الوضع الاجتماعي والعمر». إذ يقول: «شخصياً، أعتقد وأطالب بضرورة التمييز في وتيرة تسديد الودائع بحسب السن، أي اعتماد مبدأ الصناديق التقاعدية في توقيت وتسريع التسديد لكبار السن. فهذا مبدأ منطقي وعالمي وعادل، إذ من غير العدل ولا المنطق المساواة بين تعويض المودع المتقاعد المتقدّم في السن وتعويض المودع المنتج في العشرينيات أو الثلاثينيات من عمره». ويعتبر أن «أزمة الودائع تشكّل كارثة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة، وكلفتها الاقتصادية جسيمة، ومعالجتها تتطلّب حلولاً عادلة واستثنائية ومبتكرة وشجاعة وغير تقليدية، لا التمديد والتأجيل وانتظار القدر. وإلا سنشهد استمراراً في استنزاف المودع والمواطن والاقتصاد، وفاجعة الناس في جنى أعمارهم. ولن تعود الثقة، ولن ينهض القطاع المصرفي. لم يفت الأوان لإدخال تعديلات جذرية تعالج الثغرات وتنصف المودعين».
ويشدّد أفيوني على أن «صندوق النقد يطالب بتعديلات، بعضها مماثل لما ذُكر أعلاه، أي احترام تراتبية توزيع الخسائر ومبادئ إعادة هيكلة المصارف التي تنصّ على أن يمتصّ رأس المال الخسائر أولاً، وقبل أي مكوّن آخر، وهذا ما أشرنا إليه. لكن من الضروري التذكير بأن مطالب صندوق النقد لا تكفي، فهو يدافع عن مصلحته، أما مصلحة لبنان فهي الدفاع عن مصلحة المودع أولاً، لأنه من دون ذلك لن ينهض الاقتصاد، ولن يعود القطاع المصرفي، ولن تعود الثقة إلى نظام لا يحترم ولا يحمي حقوق المودعين».
الذهب ليس لامتصاص خسائر المصارف
في ما يتعلّق باستثمار جزء من الذهب لردّ جزء من أموال المودعين، كما طُرح مؤخراً، يرى أفيوني أن هذا السؤال يجب مقاربته بطريقة علمية لا شعبوية، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:
- أولاً: كم يحتاج بلد بحجم لبنان إلى مخزون من الذهب لتأمين الضمانات الكافية؟ وهل لدينا اليوم فائض من الذهب يمكن التصرّف به أم لا؟
- ثانياً: يجب الفصل بين معالجة الملاءة في مصرف لبنان ومعالجة السيولة. ففي معالجة الملاءة، يُستخدم الذهب بطبيعة الحال كجزء أساسي من الموجودات. إن تأمين الملاءة أولاً يُسهّل استعادة الثقة ويخفّف من الحاجة إلى تأمين كامل السيولة، وبالتالي يخفّف من الضغط لاستخدام الذهب.
- ثالثاً: إذا أقرّينا بوجود فائض من الذهب، فإن أي استخدام لأي جزء منه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لا يجوز أن يتمّ إلا لتعويض المودع مباشرة، كما ذُكر أعلاه، لا عبر المصارف ولا عبر مؤسسات الدولة. وهذا شرط أساسي. كما لا يجوز استخدام الذهب قبل أن تمتصّ رساميل المصارف الخسائر، بل بعد ذلك حصراً، وهذا شرط أساسي آخر.
ماذا عن أداء الحكومة الإصلاحي؟
يجيب أفيوني: «الحكومة الحالية هي من أفضل الحكومات التي مرّت على لبنان، من حيث الكفاءة والانسجام والنزاهة والدعم الدولي. لذلك نتوقّع منها الكثير. ولا شك في أن هذه الحكومة أطلقت ورشة إصلاحية مهمة، وتمّ إقرار قوانين أو مشاريع قوانين أساسية. لكن في المقابل، هناك إصلاحات كثيرة لم تُطلق بعد، ومن أهمها، على سبيل المثال، ورشة الإصلاح المالي والضريبي. إذ لا يجوز أن نستمر في اعتماد النمط السابق نفسه في إعداد موازنات محاسبية، من دون رؤية استثمارية، ولا عدالة ضريبية، ولا أي مبرّر لتأخير إطلاق هذا الإصلاح».
ويختم قائلاً: «لا شك في أن الحكومة تتعرّض أيضاً لضغوط التجاذبات السياسية والمعادلات الطائفية، إضافة إلى ضغوط المصالح الخاصة والمحاصصة، وهذا ليس بالأمر السهل. فمعركة الإصلاح تتطلّب نَفَساً طويلاً وشجاعة في مواجهة قوى التعطيل المتجذّرة منذ عقود».

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
