بريق الشانزليزيه ودمعة لا تسمع

لم أتوقّع أن تُبكيني مدينةٌ، لكن باريس فعلت. لم تكن دموعًا تهدر مخارج الصوت، بل رطوبةً رقيقةً في زاوية العين، وكمنعطفٍ داخليٍّ جعل قلبي يترجم ما تراه عيناي إلى نغمةٍ وحيدة: غربةٌ مُهدّأة بأناقة.

كانت تلك أول رحلةٍ لي من بيت لحم إلى أوروبا، أول مرة أتنفّس فيها هواءً يختلف طعمه عن هواء المخيّم. الشانزليزيه كان كخطٍّ فاصل بين عالمين؛ شوارعُ عريضةٌ تزيّنها الأشجار، أرصفةٌ تزدحم بمارةٍ يلهجون بالأناقة، ومقاهٍ تُعرض فيها طاولاتٌ صغيرة مثل منصّاتٍ لتأمّل البشر. جلست تحت مظلّةٍ زجاجيةٍ تابعةٍ لأحد المقاهي، أراقب المدينة وهي تبتلع ضوء الظهيرة، والنادل يحيّيني بفرنسيةٍ اعتدتُها خلال سنوات عملي مراسلًا لوكالة الصحافة الفرنسية. لم تكن الكلمات الفرنسية عندي سوى جيوبٍ صغيرة من ذاكرة العمل، لكن صداها في هذا المكان جعلني أشعر بأنني مقبلٌ على مشهدٍ جديد.

• أهلاً بك، هل اخترت من القائمة؟ سألني النادل بابتسامةٍ مهنية.
• نعم، قهوة أمريكية، من فضلك.

عاد النادل بعد لحظات، وضع الكأس على الطاولة وانصرف. جلست أمتصّ منظر الباريسيات اللواتي يتأرجحن بخطواتٍ واثقة، عطورٌ تُضاجع الهواء، ومبانٍ تتباهى بنقوشها القديمة. شعرت بصدمةٍ لطيفة، كطفلٍ يدخل حديقة ألعاب للمرة الأولى — حركة المدينة لم تكن معادية، لكنها كذلك بعيدة عن حواري الصغيرة في المخيّم، عن الحوائط التي شهدت لعبنا وبكاءنا ونزعاتنا للأمل.

اتصلت بصديقٍ فرنسي يعود أصلُه إلى بيت لحم، ذلك الشاب الذي طلبتُ منه أن يخبرني متى أصل مبنى إذاعة مونتي كارلو. قال إنه سيحرص على وجود أحد لاستقبالي. لم يكن المبنى بعيدًا، فما إن غادرت مقهى الشانزليزيه حتى وجدتني أمام بابٍ زجاجيٍّ يقود إلى بهوٍ ضيّق. المصعد، الأرقام، كل شيء هنا يهمس بتنظيمٍ يختلف عن فوضى الحياة في المخيّم.

صعدت إلى الطابق الثاني، ووجدت حنّا مرقص ينتظرني عند باب الإذاعة. كان وجهه مألوفًا من تسجيلاتٍ ومقابلاتٍ، لكن وجوده المباشر كان له وزنٌ آخر. أخذني في جولةٍ قصيرة بين غرفة التحرير، وعرّفني على زملائه: جورج قرداحي بابتسامته اللطيفة، نبيل درويش بحديثه الهادئ الذي يخفي وراءه تاريخًا من الصدمات، وعلياء اللبنانية الأصل بصوتها الواثق. زوايا تحفل بأوراقٍ وأجهزة تسجيلٍ وخرائط. الهواء هنا مشبعٌ بالقصص.

دعوني للمشاركة في برنامج “شباب على الهواء”. صعدت إلى المقعد، ووقف الميكروفون أمامي كوجهٍ ينتظر أن يقرأ ما في داخلي. الأسئلة كانت بسيطةً لكنها عميقة: كيف رأيت باريس؟ ما الفرق بين الحياة في فلسطين وما تراه هنا؟ كنت أجيب بصوتٍ يكاد يهتز. حاولت أن أصف الشانزليزيه بمرآته اللامعة، أن أشرح الفرق بين حجرٍ باردٍ ونفحة هواءٍ بنكهةٍ أخرى. عندما سألني عن الوطن، شعرت بالحنين يضغط صدري؛ كدت أن أبكي، لكنني تذكّرت أن البكاء هنا سيكون كشفًا علنيًا لضعفي أمام مدينةٍ لا تعرف النوم. احتفظت بالدمعة احترامًا للمكان، وخرجت من البث وأنا أحمل معي حواراتٍ وأصواتًا ستصل إلى مخيّماتٍ لا تعرف كم هي بعيدة عنها تلك الأصوات.

بعد عودتي إلى الوطن، استقبل الأصدقاء المقابلة باندهاش. في مخيّم الدهيشة، حيث تكاد الوجوه تكون شبيهةً بنصوص المدن، اعتبروا مقابلتي “إبداعًا في الصدمة” — ربما لأنني لم أتّخذ باريس ديكورًا للنشوة، بل مرآةً أدركت فيها الفارق ولا زلت أحمله.

لم تكن اللقاءات في باريس هي النهاية، بل كانت بدايةً لسلسلةٍ من المآدب والزيارات في بيت الذاكرة في العاصمة الأردنية عمّان. حافظ البرغوثي كان شخصيةً تملأ المكان باندفاعٍ فجائي؛ جاء إلى المتحف مرةً كصديقٍ لم أره منذ عشرين عامًا، صافحني بسرعةٍ وكأنه يدخل لحظة انتظارٍ قصيرة، ثم جلس وطلب فنجان قهوة على عجل، وتناول علبة سجائر كوبيّة أشعلناها معًا كطقوسٍ قديمة. حافظ لم يكن يمرّ بلا تأثير؛ كان يدخل ذاكرتك كما يدخل غرفةً غير متوقعة، ويترك سؤالًا في الهواء.

نبيل درويش كان مختلفًا؛ رجلًا ذا حضورٍ خافت، لكنه يستهلك الوجود بحواسه. في إحدى الزيارات ضاع نبيل في زنقةٍ من زوايا عمّان، واتصل بحافظ طالبًا إرشادًا. لقد كان ضياعُه في المكان مضحكًا ومحزنًا في آنٍ معًا — كأنه يعكس ضياعًا آخر، ضياع ذاكرةٍ أو وطنٍ. عندما وصل أخيرًا، جلس بيننا وكأننا لم نفترق منذ عقود؛ تحدّثنا عن الراديو، عن التغطية القديمة للمقابلات، عن أيامٍ كان فيها الكلام كافيًا لصناعة تواصل.

ثم أتت الحرب على إيران، وقبلها فلسطين في غزة، وأصبحت اللقاءات محكومةً بنبأٍ أو بخوفٍ صغير. أتذكر نبيل وهو يتململ في حديقة متحف بيت الذاكرة، وجهه يحكي عن ألمٍ جسدي وضعفٍ صحي لم يمنعه من الخوف. أخبرني أنه سيسافر إلى قبرص لتجنّب خطرٍ متخيّل. كنت أرى الرعب لا يكمن في احتمالٍ بعيد، بل في أن تكون الرحلة هي الملاذ الوحيد. نصحته بالسفر إلى القاهرة بدلًا من قبرص — كلامي لم يحمل طلاسم حماية، لكنه حمل منطقًا عمليًا ووعودًا بصداقة. ألغى رحلته إلى قبرص، وحجز قريبه تذكرةً له أقل ثمنًا، لكن الرحلة تأجّلت ولم تنقطع اللحظة عن إثارة الخوف.

قبل مغادرته بيت الذاكرة قلت له مازحًا: “إذا رحت ضحية الرحلة غدًا في فضاء القصف الصاروخي، سأكتبك شهيدًا بكلماتٍ حزينة، وأقول: كان المرحوم صحفيًا مرموقًا وقارئ أخبارٍ بصوتٍ جهور”. ضحكنا معًا، وكأن الضحك هنا كان رهانًا صغيرًا ضد القدر. وبعد يومٍ اتصل من القاهرة ليطمئن؛ صوته كان عاديًا، لكن في نهايته كان شكرٌ لمحادثةٍ جعلته يخرج من حالةٍ من الشدّة، ولو مؤقتًا، وضحك ساخرًا لأن نبوءة المزاح لم تتحقّق.

الأيام تقلبت، وأصبح السفر على مقياس الخوف. كانت الأخبار تُقرأ عن أماكن تُضرب فجأة، وخرائط تغيّرت معانيها. جلساتنا في الحديقة أو في بيت الذاكرة صارت تحمل زخميةً من الكلمات: تبادل قصص العمل الصحفي، شتائم للحرب، ونكاتٌ سوداء تحاول أن تلهينا. نأكل المشاوي باستضافةٍ يصرّ عليها البرغوثي، ونختم بالبسمة والشكوى. كنّا نحوّل الطعام إلى حكايا عن وطنٍ يختزن الطعم والذاكرة.

في مرة، أحضر الوجبة سفرجي من مطعمٍ مجاور، وكان حافظ مفرطًا بالبذخ؛ وضع أطباقًا من المشاوي كأنها جدارية احتفالية. نبيل وصف الطعم بأنه “مذاقٌ فريد”، ولم يبق في الصينية شيء. كانت هذه الولائم الصغيرة وسيلةً لتعزيز روابطنا القديمة الجديدة، لنقول لأنفسنا إننا لا نزال قادرين على فعلٍ بسيط: أن نجتمع ونتحدث ونأكل.

المدينة — باريس أو عمّان أو بيت لحم — لم تكن في النهاية سوى خلفيات لوجوهٍ تتكرر. وجوهٌ تترك بصمةً وتعود للزوال، لكن اللحظة التي تجمعنا تظل حيّة في صدر الذاكرة. في مقهى بباريس، كان من الممكن أن تكون القهوة المشهد الوحيد، لكنها تحولت إلى جسرٍ يربطني بزملاء مهنيين وأصدقاء صاروا مرايا مختلفة للوطن الواحد. في استوديو إذاعة مونتي كارلو، تحولت كلماتي إلى شعورٍ يُنقل عبر الموجات ليصل إلى مخيّمٍ أو شارعٍ لا أعرفه سوى بالصور.

عندما انتهت تلك الجولة من اللقاءات والسفر إلى باريس، عدت إلى بيت لحم محمّلًا بصورٍ من باريس، بلا عطورٍ فيثاغورية، بل بحكايا سأرويها للأصدقاء. لكنني أدركت أيضًا أن الغربة لا تعني فقدان الهوية، بل اتّساعها؛ القلب يصبح وحيدًا أحيانًا، لكنه في ذات الوقت يتّسع لذكرياتٍ جديدة، وما إن تغادرها تشعر بحنينٍ أشدّ مشقّة. ظلّت الدمعة عالقةً في زاوية حنجرتي — لم تكن دمعة هزيمة ولا نصر، بل شهادة على أن الإنسان يمكنه أن يحمل وطنين: الوطن الذي يولد فيه، والوطن الذي يعيد له صورته بمرآةٍ أخرى.

في الليلة الأخيرة التي قضيتها في باريس، جلست في المقهى نفسه تحت المظلّة الزجاجية. المدينة كانت تهمس بحكاياتها المعتادة — أصوات، ضحكات، صخب عربات — لكن شيئًا بدا مختلفًا: أغمضت عينيّ ورأيت بيت لحم في انعكاس النوافذ، أطفالًا يركضون، بابًا متشققًا على فناءٍ صغير، امرأةً تخبز أرغفة في فرنٍ قديم. عندما فتحت عينيّ مرةً أخرى، كانت باريس بكل بريقها لا تزال هناك، وربما لن تعرف أن دمعةً واحدة قد عبرت جمالها بصمت، لتخبرني أنني لم أفقد شيئًا من وطني، بل أُتيحت لي فرصة أن أرى العالم بعيون وطنٍ آخر، وأن أعود محمّلًا بكلماتٍ قد تُكتب ذات يوم على صفحة رثاء أو نشيد أو مقالة قصيرة.

هكذا، بين الشانزليزيه والمقهى وزوايا استوديوهات الراديو وحديقة متحف بيت الذاكرة، تبقى الذكريات مثل طاولاتٍ صغيرة نجلس حولها، نشارك فنجان قهوة، ونخبر بعضنا أننا لم نفترق حقًا — فالوطن، في النهاية، ليس مكانًا فقط، بل ناسٌ وجلسات وذكريات لا يموت فيها صوتٌ مهما ابتعدنا.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.