حين تتحوّل الطوائف إلى خرائط… من أعطى الجميع حقّ اقتسام الله؟

في الشرق الذي كان يُعرف يوماً بمهد الحضارات، لم تعد الخرائط تُرسم بالحبر، بل بالخوف. ولم تعد الحدود تُقاس بالجغرافيا، بل بعدد المذاهب المحشورة داخل كل كيلومتر من الدم.

لبنان، هذا البلد الصغير المُعلّق بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط، لم يكن يوماً مجرّد دولة. كان مختبراً. مختبر للطوائف، للتوازنات، للحروب المؤجّلة، وللأوطان التي تعيش على جهاز التنفس الخارجي.

وحين يصبح الكيان قائماً على توزيع الحصص بين الطوائف، يصبح السؤال الأخطر مشروعاً: إذا كان هناك «وطن سنّي»، وآخر «شيعي»، وثالث «مسيحي»، فمن يعطي العالم حق الاعتراض على «دولة يهودية»؟

هنا يبدأ الصمت.

المنطقة التي أمضت عقوداً تلعن الطائفية، كانت في الوقت نفسه تبني أنظمتها عليها. رؤساء يُختارون بالهوية، لا بالكفاءة. دساتير تُفسَّر بالمذهب. وشعوب تُربّى على الخوف من بعضها أكثر مما تخاف من الفقر أو الاحتلال أو الانهيار. ثم يتفاجأ الجميع عندما تتحول الطائفة إلى مشروع وطن.

المشكلة ليست في اليهودي أو المسلم أو المسيحي بحد ذاته. المشكلة في اللحظة التي يصبح فيها الدين مشروع حدود، ويصبح الله شريكاً في السجل العقاري والسيادة والجيوش. عندها، لا يعود ممكناً إقناع أحد بأن «دولتك الدينية حق، ودولة غيرك جريمة».

الشرق لم يسقط لأنه متديّن. سقط لأنه استبدل المواطنة بالغريزة، والدولة بالخندق، والإنسان ببطاقته الطائفية.

كل طائفة في هذه المنطقة تحمل رواية خوف قديمة: هذه تخاف الإلغاء، وتلك تخاف الذبح، وأخرى تخاف الذوبان، والجميع يخاف الجميع. ومن الخوف تولد الكيانات المغلقة.

لكن الكارثة الحقيقية ليست في وجود الطوائف، بل في تحوّلها إلى حدود سياسية. لأن نهاية هذا الطريق ليست السلام، بل كانتونات لا تنتهي: حيّ لهذا المذهب، ومرفأ لذاك، وجيش لتلك الطائفة، وعَلَم لكل ذاكرة مجروحة. وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة، يصبح الوطن مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.

في لبنان تحديداً، لم يعد أحد يسأل: كيف نبني دولة؟ بل: كيف نحمي الطائفة عندما تسقط الدولة؟ وهنا ماتت الجمهورية فعلياً، حتى لو بقي العلم مرفوعاً فوق المباني الرسمية.

أخطر ما فعلته الأنظمة في الشرق أنها أقنعت الناس أن الآخر الطائفي أخطر عليهم من الفساد والجوع والانهيار. فصار المواطن يدافع عن زعيمه الذي سرقه، فقط لأنه «يشبهه» مذهبياً.

أي انتحار جماعي هذا؟

التاريخ لا يرحم أحداً. وكل مشروع ديني مغلق يعتقد أنه خالد، يكتشف متأخراً أنه حوّل شعبه إلى سجين خوف دائم.

الشرق لا يحتاج المزيد من الدول الطائفية. الشرق يحتاج للمرة الأولى دولة لا تسأل المواطن: «من أي طائفة أنت؟» بل: «ما الذي ينقصك كي تعيش بكرامة؟». أما الاستمرار في تقسيم المنطقة بين «أقليات خائفة» و«أكثريات مذعورة»، فلن ينتج أوطاناً… بل خرائط مؤقتة فوق براميل بارود دائمة الاشتعال.

مقالات الكاتب

د. علي جزائري

باحث قانوني واجتماعي حائز على شهادة الدكتوراه في الحقوق.