أعاد خبر وفاة أحد الموقوفين داخل سجن رومية بعد نحو 22 شهرًا من التوقيف من دون محاكمة نهائية فتح النقاش مجددًا حول واقع التوقيف الاحتياطي في لبنان، وحدود السلطة القضائية بين مقتضيات العدالة وضمان الحقوق الأساسية للإنسان.
فالأصل في القانون أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم مبرم، وأن التوقيف الاحتياطي يبقى إجراءً استثنائيًا تُبرّره ضرورات التحقيق أو حماية الأمن العام أو منع الفرار والتأثير على الأدلة. إلا أن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا الإجراء المؤقت إلى إقامة طويلة خلف القضبان، تمتد لأشهر أو لسنوات أحيانًا، في ظل بطء المحاكمات وتعقيدات النظام القضائي.
ويؤكد قانونيون أن مدد التوقيف الاحتياطي في لبنان تختلف بحسب طبيعة الجرم، بين جنحة وجناية، وأن القانون يجيز في بعض الملفات تمديد هذه المدد بقرارات قضائية. غير أن ذلك لا يلغي مبدأ أساسيًا كرّسته المواثيق الدولية، وهو حق الإنسان بمحاكمة عادلة ضمن مهلة معقولة، وعدم إبقائه رهن الاحتجاز المفتوح من دون حسم قضائي.
كما تنص المعايير الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أن التوقيف قبل المحاكمة يجب ألا يتحول إلى قاعدة عامة، بل يبقى استثناءً محدودًا بضرورات واضحة ومعللة.
وفي الواقع اللبناني، تتشابك الأزمة القضائية مع الانهيار الاقتصادي والإداري، حيث أدى النقص في عدد القضاة، وتعطّل الجلسات، والإضرابات المتكررة، واكتظاظ السجون، إلى تفاقم معاناة آلاف الموقوفين، وخصوصًا أولئك الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد.
وتطرح وفاة أي موقوف داخل السجن تساؤلات إضافية تتعلق بظروف الاحتجاز والرعاية الصحية ومدى قدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للمحتجزين، بصرف النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
فالعدالة لا تُقاس فقط بإصدار الأحكام، بل أيضًا بسرعة الإجراءات، واحترام الكرامة الإنسانية، والتوازن بين حق المجتمع في المحاسبة وحق الفرد في محاكمة عادلة وغير تعسفية.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الدعوات إلى إصلاح شامل للمنظومة القضائية والسجنية في لبنان، بما يضمن تسريع المحاكمات، والحد من التوقيف الاحتياطي الطويل، واعتماد بدائل قانونية أكثر إنصافًا، منعًا لتحوّل السجون إلى أماكن لعقوبات تسبق الأحكام القضائية نفسها.

د. علي جزائري
باحث قانوني واجتماعي حائز على شهادة الدكتوراه في الحقوق.
