تفرض الحرب المستمرة في الأراضي الفلسطينية واقعاً سياسياً جديداً يعيد صياغة الأسئلة القديمة حول مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ويضع مشروع حلّ الدولتين أمام اختبار قد يكون الأكثر صعوبة منذ طرحه بوصفه الإطار السياسي المعتمد دولياً لإنهاء أحد أطول النزاعات وأكثرها تعقيداً في العصر الحديث. فبينما تتواصل العمليات العسكرية، وتتعمّق الانقسامات السياسية، وتتغيّر موازين القوى الإقليمية، يتراجع الحديث عن التسوية السياسية لمصلحة مقاربات أمنية وعسكرية تعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية.
ولم يعد الجدل اليوم يدور حول تفاصيل تطبيق حلّ الدولتين، بقدر ما بات يتركّز على مدى إمكانية بقائه خياراً واقعياً في ظل التحوّلات المتسارعة على الأرض. فالمسافة الفاصلة بين النصوص الدبلوماسية التي تتبنّاها القوى الدولية وبين الوقائع الجغرافية والسياسية أصبحت أوسع من أي وقت مضى، ولا سيما مع التوسّع الاستيطاني المتواصل، وتآكل مفهوم الحدود القابلة للتفاوض، وتراجع الثقة المتبادلة إلى مستويات غير مسبوقة.
وعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية، ظلّ حلّ الدولتين يمثّل نقطة التقاء نادرة بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية. غير أن هذا التوافق النظري أخفى عجزاً عملياً متراكماً عن توفير الشروط اللازمة لتحويل الفكرة إلى مشروع سياسي قابل للحياة. فكل جولة تفاوض كانت تنتهي إلى طريق مسدود، وكل أزمة أمنية كانت تؤدي إلى تأجيل الملفات الجوهرية بدل حلّها، ما سمح للحقائق الميدانية بأن تتقدّم على حساب المسارات السياسية.
وأظهرت الحرب الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الاعتبارات الأمنية مجرّد عنصر من عناصر الصراع، بل أصبحت المحرّك الأساسي لصنع القرار. ففي إسرائيل، عزّزت الهواجس الأمنية حضور التيارات الرافضة لأي تنازلات جوهرية تتعلّق بالأرض أو السيادة، من دون التفات خطير إلى التبعات الديموغرافية على المدى الطويل، حيث يؤدّي قضم الأراضي ومنع قيام دولة فلسطينية إلى محاصرة إسرائيل لنفسها داخل معادلة وجودية حرجة: إمّا الحفاظ على يهودية الدولة، أو الحفاظ على ديمقراطيتها. وفي الجانب الفلسطيني، أدّت سنوات الجمود السياسي وتراجع آفاق الدولة المستقلة إلى تنامي الشكوك حول جدوى المسارات التفاوضية التقليدية، وبين هذين المسارين تتآكل المساحة التي يمكن أن تنمو فيها تسوية تاريخية قائمة على مبدأ الدولتين.
غير أن الأزمة لا تقتصر على الداخلين الفلسطيني والإسرائيلي فحسب، بل ترتبط أيضاً بتحوّلات أوسع يشهدها النظام الإقليمي. فالصراع بات متشابكاً مع ملفات النفوذ الإقليمي، والمنافسة الدولية، وإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط. ومن هنا، لم تعد القضية الفلسطينية مجرّد نزاع حدودي أو سياسي محلي، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتداخل فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.
وتدرك العواصم الغربية أن انهيار فكرة حلّ الدولتين سيخلق فراغاً سياسياً خطيراً قد يدفع المنطقة نحو نماذج أكثر تعقيداً من الصراع القائم. فغياب الأفق السياسي لا يعني انتهاء النزاع، بل انتقاله إلى أشكال جديدة أقل قابلية للاحتواء، وأكثر قدرة على إنتاج دورات متكرّرة من العنف وعدم الاستقرار. ولذلك، لا يزال الخطاب الدولي يتمسّك بهذا الحلّ، على الرغم من إدراك كثير من صنّاع القرار أن فرص تنفيذه أصبحت أضعف مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة.
وفي المقابل، تبرز سيناريوهات بديلة تتراوح بين:
- الدولة الواحدة بأشكالها المختلفة،
- استمرار الوضع القائم لفترات طويلة،
- إعادة إنتاج ترتيبات انتقالية مؤقتة،
- الاعتقاد بإمكانية تكريس واقع الاحتلال والتوسّع الاستيطاني إلى ما لا نهاية، باعتباره أحد أوهام السياسة الماكيافيلية القائمة على إدارة الصراع بدل تسويته.
إلا أن هذه البدائل تواجه بدورها تحدّيات سياسية وديموغرافية وأمنية، تجعلها عاجزة عن تقديم إطار مستدام للاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الأساسية؛ فبينما يبدو أن حلّ الدولتين بعيد المنال، فإن بديلَي «الوضع القائم» أو «الدولة الواحدة» يمثّلان قنبلة موقوتة لإسرائيل أولاً. إذ إن غياب الانفصال الجغرافي يعني الانزلاق الحتمي نحو واقع فصلٍ عنصريّ فعلي، وهو واقع لا يمكن تسويقه دولياً على المدى البعيد، وسيتحوّل بمرور الوقت إلى ضغط دولي وحقوقي هائل يطالب بمنح الفلسطينيين حقوق تصويت متساوية، ما يعني عملياً نهاية الفكرة الصهيونية بصيغتها الحالية.
وفي خضم هذه المعادلة المتشابكة، تتكشّف حقيقة مؤلمة مفادها أن الأزمة الراهنة ليست أزمة تسوية فاشلة فحسب، بل أزمة رؤية سياسية شاملة لمستقبل العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فالحرب الدائرة لا تعيد رسم خرائط الميدان فقط، بل تعيد أيضاً تشكيل المفاهيم التي حكمت عملية السلام لعقود طويلة، وتدفع الجميع إلى إعادة النظر في الافتراضات التي قامت عليها.
ومع استمرار النزاع وتراجع فرص الاختراق السياسي، يزداد خطر تحوّل حلّ الدولتين من مشروع سياسي مؤجَّل إلى ذكرى دبلوماسية تستحضرها البيانات الدولية من دون أن تجد طريقها إلى الواقع. وعند تلك النقطة، لن تكون المنطقة أمام فشل مبادرة سلام فحسب، بل أمام لحظة تاريخية تعلن انتهاء مرحلة كاملة من التفكير السياسي بشأن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وبداية مرحلة جديدة لا تزال ملامحها غامضة، ومفتوحة على احتمالات أكثر اضطراباً من أي وقت مضى.
لذلك، فإن الرهان اليوم على قيام دولة فلسطينية وفق الصيغة التي رُوّج لها طوال العقود الماضية، يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى احتمال واقعي، ما لم تطرأ تحوّلات استثنائية تعيد رسم موازين القوى ومعادلات الصراع من جديد.

العميد محمد فهمي
عميد متقاعد ووزير داخلية سابق.
