بين دروس عام 1975 وتحديات اليوم… هل يستعيد لبنان قرار دولته؟

عاد لبنان، بعد نحو نصف قرن، ليقف أمام أسئلة تشبه تلك التي سبق أن قادته إلى واحدة من أكثر مراحل تاريخه مأساوية. فالإشكالية لم تكن يوماً وليدة صراع فردي أو مواجهة عابرة، بل كانت نتيجة تراكم أزمات داخلية وتداخلها مع صراعات المنطقة، إلى أن أصبحت الدولة عاجزة عن حماية قرارها، وتحول لبنان تدريجياً من دولة تتأثر بما يجري حولها إلى ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية.

فمنذ حرب عام 1967، بدأت تداعيات الصراع العربي–الإسرائيلي تتعمق داخل لبنان، بالتزامن مع تزايد الحضور الفلسطيني المسلح. ثم جاء اتفاق القاهرة عام 1969 ليكرّس واقعاً أمنياً وسياسياً جديداً، أعقبه تصاعد التوترات بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية عام 1973، وتزايد التدخلات العربية والإسرائيلية والدولية. ولم تكن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 وليدة لحظة واحدة، بل جاءت نتيجة سنوات من ضعف الدولة، والانقسام الداخلي، وارتباط الساحة اللبنانية بصراعات أكبر منها.

اليوم، تغيرت أسماء القوى وتبدلت التحالفات، لكن جوهر المعضلة ما زال حاضراً. فلبنان يقف وسط منطقة تعصف بها الحروب، والتجاذبات الإقليمية والدولية المتصاعدة، والتنافس بين المحاور الكبرى، والتحولات الميدانية في المحيط العربي، فيما يبقى الجنوب اللبناني نقطة تماس مفتوحة على جميع الاحتمالات. وفي قلب هذا المشهد، يبرز مجدداً السؤال الأصعب: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يحدد موقع لبنان عندما تتعارض مصالح الداخل مع مصالح الإقليم؟

لا تكمن الإشكالية اليوم في وجود السلاح خارج الأطر الرسمية فحسب، بل أيضاً في بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، والذي بات ينتج سلوكاً هيكلياً يعزز الاستقواء بالخارج. فكلما شعر طرف داخلي بالاستضعاف أو التهميش، لجأ إلى المحاور الإقليمية لحماية موقعه الحزبي أو الطائفي، ما أدى إلى تجويف مفهوم «المواطنة الجامعة»، واختزال السيادة الوطنية في شعارات تُرفع ولا تُطبق.

ولعل الأزمة تزداد تعقيداً عند النظر إلى الانهيار المالي والشلل المؤسسي اللذين يشهدهما لبنان، إذ لا يمكن فصل قرار السلم والحرب عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إن ضعف مؤسسات الدولة والانهيار المعيشي يجرّدان الوطن من مناعته، ويفسحان المجال أمام القوى الإقليمية والجهات الفاعلة من غير الدول لملء الفراغ وتقديم الخدمات البديلة، ما يجعل بناء الاقتصاد الوطني وإعادة هيكلة القطاعات الأساسية رُكناً مفصلياً في مسار استعادة قرار الدولة وحماية سيادتها.

لا يعني ذلك أن لبنان يعيش ظروف عام 1975 نفسها، ولا أن التاريخ يتكرر حرفياً. لكن التجربة أثبتت أن ضعف الدولة يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، وأن وجود السلاح خارج المؤسسات، مهما كانت مبرراته، يجعل البلاد أكثر عرضة للتحول إلى جزء من صراع لا تملك وحدها قرار بدايته أو نهايته. فالخطر الأكبر هو أن يتحول لبنان مجدداً إلى ورقة تفاوض على طاولات التسويات الإقليمية، فيما ينقسم اللبنانيون حول تعريف السيادة وحدودها.

وفي هذا السياق، يبقى الاعتماد على قرارات الشرعية الدولية، كالقرارين 1701 و1559 وغيرهما، مظلة حماية ومكسباً دبلوماسياً نوعياً. لكن هذه القرارات تظل حبراً على ورق ما لم تقترن بإرادة سياسية داخلية جامعة تنهي ازدواجية القرار والتنفيذ. فالشرعية الدولية داعم للسيادة الوطنية، وليست بديلاً من توافق اللبنانيين على بناء دولتهم.

إن التحدي الحقيقي أمام لبنان اليوم لا يقتصر على مواجهة خطر عسكري، أو احتواء أزمة سياسية أو اقتصادية، بل يتمثل في استعادة الدولة دورها كاملاً، بحيث تصبح قرارات الحرب والسلم والسلاح والسياسة الخارجية من مسؤولية المؤسسات الشرعية حصراً. وهذا الرهان هو، في حد ذاته، رهان على الأجيال القادمة. فالشباب اللبناني، الذي يتطلع إلى بناء مستقبل واعد، يرغب في العيش داخل وطن طبيعي يضمن له الاستقرار وفرص العمل، بعيداً عن أيديولوجيا الصراع المفتوح، وعن دفع ثمن حروب بالوكالة تُدار على أرضه.

لقد علّمنا التاريخ أن لبنان لا يدفع ثمن صراعاته الداخلية وحدها، بل يدفع أيضاً ثمن صراعات الآخرين عندما يعجز عن تحصين نفسه. وربما تكون الفرصة اليوم متاحة لكسر هذه الحلقة، من خلال انتقال لبنان من «ساحة» تتقاطع عليها مشاريع الآخرين إلى «دولة» ذات سيادة تملك مشروعها وقرارها.

فلبنان لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه يستطيع أن يغيّر موقعه السياسي. والفرق بين أن يكون البلد ساحة مستباحة أو دولة ذات سيادة لا يصنعه الخارج وحده، بل يصنعه اللبنانيون عندما يتفقون على أن سيادة الدولة ليست مجرد شعار، بل قراراً مؤكداً لا شريك له.

مقالات الكاتب

وزير سابق