«عليّ الطاهر»… التلة التي هزمت عقيدة الاحتلال

تحليل – خاص «بيروت 2030»

تتجاوز التلال مجرّد كونها مرتفعات جغرافية، لتتحوّل في كثير من الأحيان إلى عقدة جيو-استراتيجية تكشف حدود القوّة العسكرية، مهما بلغت إمكاناتها التكنولوجية والنارية. هكذا كان مرتفع «عليّ الطاهر» في جنوب لبنان، وهكذا بقي، حاملاً في تفاصيله دلالات الصراع المستمر، ومقدّماً نموذجاً لموقع عسكري يفرض شروطه على المخططين العسكريين والسياسيين على حد سواء.

نظرت إسرائيل، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى هذا المرتفع باعتباره نقطة ارتكاز حاكمة وعيناً رصدية تشرف على الجنوب وتتحكم بمساراته الحيوية. ولم تدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية آنذاك أن السيطرة على الجغرافيا لا تعني بالضرورة امتلاك التاريخ، وأن احتلال الأرض لا يكفي لإخضاع إرادة الشعوب وتطويع تطلعاتها نحو الحرية.

ترافقت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إبّان اجتياح عام 1982، مع مساعٍ حثيثة لفرض واقع استراتيجي جديد، وراهنت وقتها على المواقع المشرفة وشبكة النقاط العسكرية المحصّنة، لاعتقادها أنها ستصنع «حزاماً أمنياً مستداماً» يحمي حدودها الشمالية. وكان مرتفع «عليّ الطاهر» جزءاً حيوياً من هذه الرؤية التقليدية التي تمنح التفوق لمن يمتلك إشرافاً نارياً وبصرياً أوسع، وقدرة أعلى على مراقبة الخطوط الخلفية واللوجستية.

اكتشفت تل أبيب سريعاً أن الجغرافيا التي تمنحها أفضلية الرصد والتفوق التكتيكي، تهب المقاومة، في المقابل، أفضلية الاستنزاف الممنهج والمستمر. وتحوّلت المواقع المحصّنة، بفعل ضربات الميدان، إلى أهداف ثابتة وسهلة الاستهداف، وتراجع الجنود الإسرائيليون ليصبحوا رهائن داخل دشمهم، فيما انتقلت «المبادرة الميدانية» و«مرونة الحركة» تدريجياً إلى الطرف الذي يتقن حرب العصابات ويقاتل فوق أرضه ووفق عقيدته، ليتحوّل المرتفع إلى نموذج صارخ لفشل نظرية الاحتلال القائم على التفوق العسكري.

يعود اسم «عليّ الطاهر» اليوم إلى الواجهة بعد أكثر من أربعة عقود، ليعيد الصراع نفسه طرح الأسئلة ذاتها حول جدوى الطروحات الأمنية الإسرائيلية المتجددة. وتستعيد إسرائيل، التي تتحدث اليوم عن «مناطق عازلة» وإبعاد مصادر التهديد خلف خطوط معينة، المنطق الاختزالي نفسه الذي حكم استراتيجيتها في القرن الماضي، متغافلة عن كون البيئة العملياتية الحالية باتت أكثر تعقيداً وتطوراً، وعن أن معادلة الردع المتبادل تجاوزت مفهوم المسافات الجغرافية بفعل تطوّر القدرات الصاروخية وسلاح المسيّرات.

تعكس المحاولات الإسرائيلية المستمرة لإعادة إنتاج معادلة السيطرة على المرتفعات الجنوبية أزمة بنيوية عميقة داخل العقل الأمني الإسرائيلي، الذي لم يتغيّر جوهره. فالدولة التي تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في المنطقة تبحث عن الأمان في تفاصيل الجغرافيا ومتاهاتها، بعدما عجزت عن إيجاده في السياسة والاستقرار الإقليمي، مكرّرة التجارب السابقة ذاتها التي أثبتت عقم الاعتماد الحصري على التفوق التكنولوجي.

يختزل «عليّ الطاهر»، في بُعده العسكري والرمزي، صراعاً عميقاً بين مشروعين متناقضين: يرى المشروع الأول الأرض مجرّد مساحة للهيمنة العسكرية والفرض القسري وإقامة الأحزمة الأمنية، في حين يعتبرها المشروع الثاني امتداداً طبيعياً للسيادة والهوية والكرامة الوطنية التي لا يمكن المساومة عليها أو التنازل عن أجزاء منها تحت وطأة التهديد.

ولقد أثبت التاريخ العسكري، في المحصلة، أن قوات الاحتلال قد تمتلك القدرة على تحقيق «الاقتحام التكتيكي» للمواقع، لكنها تفتقر تماماً إلى القدرة على «الاحتفاظ الاستراتيجي» بها وتأمين بقائها المستدام. ولم تولد هذه الحقيقة في أوراق الكتب العسكرية أو مسوّدات أوامر العمليات، بل كُتبت بالدم والنار على سفوح ومرتفعات الميدان الجنوبي، ما يجعل من تجربة الثمانينيات محدداً استراتيجياً حياً يلقي بظلاله على الحاضر، ويؤكد محدودية القوة الصلبة عندما تصطدم بعقيدة الصمود والجهاد.

يثير اسم هذه التلة قلق صنّاع القرار في تل أبيب أكثر مما يثير اهتمام الجغرافيين والباحثين والعسكريين بطبيعة التضاريس. فالأمر لا يُقاس بمجرّد الارتفاع بالأمتار عن سطح البحر، بل بالوزن الاستراتيجي والقيمة الرمزية التي تشكّلت عبر عقود من المواجهة، ليظل الموقع تذكيراً دائماً بأن جنوب لبنان لم يكن يوماً ساحة مفتوحة للإملاءات، وبأن كل محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة ستصطدم بالحقيقة التاريخية الراسخة التي تؤكد أن ما عجزت عن فرضه الدبابات في الأمس، لن تنجح في تثبيته الخرائط السياسية والعسكرية اليوم.

يبقى «عليّ الطاهر» شاهداً حياً على أن معارك الجنوب لا تُحسم بتفوق النيران والكثافة التدميرية وحدهما، بل بحسابات الإرادة والنَفَس الطويل والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى عنصر قوّة وطنية. وبين احتلال الأمس ومحاولات فرض الوقائع اليوم، تظل التلة الشامخة تردّد الرسالة ذاتها بوضوح، مؤكدة أنه يمكن احتلال الموقع بحكم تفوق الآلة، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال احتلال الكرامة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.