في مذكّرة جديدة، حذّر بيل غيتس، مؤسس شركة “مايكروسوفت”، من “الرؤية الكارثية المتشائمة”، بما يبدو أنه إعادة نظر في بعض مواقفه حول تغيّر المناخ. فبعد أن أنفق غيتس المليارات من أمواله الخاصة للتحذير من مخاطر تغيّر المناخ، ها هو يبدأ اليوم بالدفع نحو مواجهة ما أسماه “نظرة يوم القيامة”، في موقف يشير إلى تحوّل في تقييمه للمخاطر المرتبطة باحترار الكوكب.
وفي المذكّرة المطوّلة التي صدرت يوم الثلاثاء، سعى غيتس إلى تهدئة الخطاب التحذيري الذي يرى أنه يبالغ في تصوير آثار ارتفاع درجات الحرارة. ودعا، بدلاً من ذلك، إلى توجيه الجهود نحو تحسين حياة السكان في دول العالم النامي.
وكتب يقول: “رغم أن تغيّر المناخ سيخلّف عواقب خطيرة — خاصة على الفقراء في البلدان الأكثر هشاشة — فإنه لن يقود إلى فناء البشرية. إذ سيظل البشر قادرين على العيش والازدهار في معظم مناطق الأرض في المستقبل المنظور”.
يأتي هذا الموقف بعد أربع سنوات فقط من نشر غيتس كتاباً بعنوان “كيف نتجنب كارثة مناخية”. والمذكّرة بدت بمثابة إعادة صياغة جوهرية لطريقة تفكير الأخير — الذي تُقدّر ثروته بـ122 مليار دولار — في ما يتعلق بالتحديات المرتبطة بتسارع الاحتباس الحراري.
خلال العقد الماضي، أنفق غيتس مبالغ ضخمة من ثروته الخاصة دعماً لسياسات تهدف إلى خفض الانبعاثات الغازية التي تسخّن الكوكب بشكل خطير. كما استثمر في شركات تعمل على الطاقة النظيفة وفي دعم المجتمعات الفقيرة للتكيّف مع ارتفاع منسوب البحار، وازدياد موجات الحر والحرائق والجفاف والعواصف والفيضانات.
وفي عام 2015، أنشأ غيتس صندوق “الطاقة الخارقة” (Breakthrough Energy)، لتمويل الشركات الناشئة في مجال الطاقة النظيفة، والذي توسّع لاحقاً ليشمل مجموعة ضغط تعمل في واشنطن لدعم السياسات المناخية.
وفي مقال نشره عام 2023 (ثم سُحب لاحقاً من موقع المؤسسة)، كتب غيتس: “التغيّر المناخي يؤثر بالفعل على حياة معظم الناس، وعندما نفكّر في مستقبل عائلاتنا، تصبح المسألة مرهِقة. حجم وسرعة التحوّل المطلوب لتشييد اقتصاد طاقة نظيفة غير مسبوقين”.
غير أن الصندوق آنف الذكر أعلن في آذار/مارس الماضي عن تخفيضات كبيرة شملت تفكيك فريقه المعني بالسياسات المناخية. وفي أيار/مايو، أعلن غيتس خططاً لتقليص نشاط “مؤسسة بيل وميليندا غيتس”، التي أنفقت المليارات على برامج مرتبطة بالمناخ، من بينها التزام بقيمة 1.4 مليار دولار لمساعدة المزارعين في الدول الفقيرة على التكيّف مع الاحتباس الحراري.
ومع تقليص إدارة ترامب لموازنات المساعدات الخارجية وإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، أعاد غيتس توجيه جزء كبير من أعماله الخيرية إلى مجالات الصحة ومكافحة الفقر في العالم النامي.
بحسب يوهانس أكفا، رئيس العمل المناخي في منظمة “Founders Pledge”: “لقد رأى غيتس أن وضع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أكثر إلحاحاً، وأن بإمكانه أن يكون أكثر تأثيراً هناك”.
لا يزال غيتس يستثمر في شركات الطاقة النظيفة عبر برامج مختلفة، كما يواصل الاستثمار بكثافة في الطاقة النووية. وقد حصلت شركة “TerraPower”، التي يدعمها، الأسبوع الماضي، على موافقة اتحادية أساسية لتطوير مفاعل نووي جديد.
في مذكّرته، دعا غيتس إلى الاستثمار في خفض تكلفة الطاقة النظيفة وإيجاد طرق لجعل الصناعة والزراعة والنقل أقل تلويثاً. لكنه حث أيضاً على تحويل التركيز من حملات خفض الانبعاثات بشكل مباشر، إلى تحسين جودة الحياة وتقليل المعاناة الإنسانية في عالم يزداد حرارة.
ورغم وصفه تغيّر المناخ بأنه “مشكلة بالغة الأهمية” تستدعي الحل، ذكر أن “الرؤية الكارثية” إنما جعلت المجتمع المناخي يركز بشكل مفرط على أهداف الانبعاثات قصيرة الأمد، ما أدى إلى صرف الموارد عن الخيارات الأكثر فعالية لتحسين الحياة في عالم أكثر دفئاً.
يُذكر أن العالم يحترّ الآن بأسرع وتيرة في التاريخ المسجّل. وكانت السنة الماضية الأعلى حرارة على الإطلاق. بدورهم، يحذّر العلماء من أن عدم التخلي السريع عن الوقود الأحفوري سيقود إلى ظواهر مناخية قاسية تتجاوز قدرة الإنسان على التكيّف.
وقد بدأت بعض الدول الجزرية المنخفضة بالفعل تفقد أراضيها نتيجة ارتفاع البحار. وقُدّر وفاة 62,775 شخصاً في أوروبا العام الماضي بسبب موجات الحر.
لكن غيتس حاول صرف الانتباه عن التركيز على درجة الحرارة وحدها، معتبراً في المذكّرة أن “درجة الحرارة ليست أفضل مؤشر على التقدم المناخي”.
ولفت ديفيد كالاهان، رئيس تحرير “Inside Philanthropy”، إلى أن غيتس ربما يسعى إلى إعادة تموضع النقاش المناخي سياسياً في لحظة ترتفع فيها المعارضة الجمهورية لسياسات المناخ: “قد يكون ذلك استمراراً لمحاولة التموضع في الوسط، لتجنب أن يكون هدفاً مباشراً لإدارة ترامب”.
وأشار كالاهان أيضاً إلى أن تبدّل لهجة غيتس ينسجم مع دراسات أظهرت أن الخطاب التخويفي لا يشجع الناس على التحرك بفعالية، بعكس الرسائل التفاؤلية.
ورغم ذلك، يؤمن العديد من العلماء بأن الاحترار السريع للأرض قد يؤدي إلى نقاط تحوّل لا رجعة فيها، مثل اضطراب التيارات البحرية، واختفاء الأنهار الجليدية، وانهيار الشعاب المرجانية. بيد أن غيتس، في مذكّرته الأخيرة، لم يتناول هذه السيناريوهات رغم مناقشته لها سابقاً.
صحيفة “نيويورك تايمز”
بقلم ديفيد غيلس
(نُشر في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025)

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
