لا يبدو أن انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 كانون الأول 2026 سيكون مجرد نهاية لولاية أممية امتدت أكثر من أربعة عقود، بل قد يشكّل نقطة تحوّل في طبيعة الحضور الدولي في جنوب لبنان، ويفتح الباب أمام إعادة صياغة الترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية – الفلسطينية.
ومع اقتراب موعد مغادرة اليونيفيل، لم يعد السؤال الدولي يتمحور حول إمكانية تمديد مهمتها، بل حول الجهة التي ستملأ الفراغ الذي قد يتركه رحيلها. وفي هذا السياق، برزت المبادرة الألمانية لبحث تشكيل قوة أوروبية بتفويض من الاتحاد الأوروبي، في خطوة قد تنقل الجنوب من نموذج حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة إلى نموذج أمني جديد، أكثر ارتباطاً بالمتغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل الدور الذي تؤديه ألمانيا وفرنسا وإيطاليا داخل اليونيفيل، وارتباط هذه الدول عملياً بمستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان. فبرلين تقود القوة البحرية التابعة لليونيفيل، فيما تشكّل باريس وروما أبرز المساهمين في القوات الدولية، ما يجعل الدول الثلاث مرشحة لتكون العمود الفقري لأي صيغة أوروبية مقبلة، ولتتولى إحداها قيادة هذه القوة.
لكن جوهر المسألة لا يكمن في تغيير العَلَم المرفوع فوق مواقع القوات الدولية، بل في طبيعة المهمة نفسها. فقد عملت اليونيفيل، رغم اتساع انتشارها، ضمن تفويض أممي يقوم على مراقبة الوضع الميداني، ودعم تنفيذ القرار 1701، والتنسيق مع الجيش اللبناني.
أما القوة الأوروبية المحتملة، فقد تكون أمام مهمة مختلفة، تتضمن دعماً أكبر للجيش اللبناني، وتعزيز مراقبة الحدود والسواحل، وتقديم المساعدة التقنية واللوجستية، وربما العمل ضمن ترتيبات أمنية جديدة تفرضها مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار من جانب الجيش الإسرائيلي.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي؛ فإسرائيل تريد قوة أكثر قدرة على منع عودة حزب الله إلى المناطق الحدودية، بينما يتمسك لبنان بوجود دولي يحترم سيادته ولا يتحول إلى بديل عن الجيش اللبناني، في حين تسعى أوروبا إلى منع انهيار الاستقرار من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وبذلك، فإن أي قوة أوروبية ستدخل الجنوب ستكون محكومة بتناقضات وتساؤلات صعبة، أهمها:
- كيف يمكن منحها صلاحيات كافية لتكون فاعلة، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراع؟
- كيف يمكن ضمان استقلالية مهمتها، من دون المساس بدور الدولة اللبنانية؟
- من يحدد قواعد الاشتباك؟ ومن يضمن التزام الأطراف بها؟
وتؤكد تجربة اليونيفيل أن المشكلة لم تكن دائماً في عدد الجنود أو جنسياتهم، بل في حدود التفويض السياسي الممنوح لهم. ولذلك، فإن استبدال قوة أممية بأخرى أوروبية لن يؤدي تلقائياً إلى نتائج مختلفة، ما لم يترافق مع تفاهم سياسي واضح، ودور أقوى للجيش اللبناني، وضمانات فعلية لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وعليه، فإن مرحلة ما بعد اليونيفيل قد لا تكون مجرد مرحلة انتقالية، بل بداية لإعادة تعريف الدور الدولي في جنوب لبنان. فالسؤال الحقيقي ليس: من سيحل محل اليونيفيل؟ بل: أي قوة ستأتي؟ وبأي صلاحيات؟ وتحت أي سقف سياسي؟
فإذا جاءت القوة الأوروبية لدعم الدولة اللبنانية، فقد تشكّل فرصة لإعادة تنظيم الاستقرار على الحدود. أما إذا جاءت لتفرض ترتيبات أمنية تتجاوز سيادة الدولة، فقد تفتح الباب أمام صراع جديد حول السيادة والدور والوجود الدولي.
وبين خطر الفراغ الأمني، وخطر تحويل الجنوب إلى ساحة تجاذب إقليمي أو دولي جديدة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة. فالتحدي الأكبر ليس العثور على بديل لليونيفيل، بل ضمان ألا يتحول هذا البديل إلى طرف جديد في الصراع، وألا يصبح رحيل القوة الأممية بداية لمرحلة أكثر غموضاً واضطراباً في جنوب لبنان.
ومن منطلق هذه التحديات الجيوسياسية، يتجاوز المشهد الجنوبي مجرد فكرة استبدال القبعات الزرقاء بقوات أوروبية، ليدخل في تعقيدات الأبعاد القانونية والتمويلية التي تفرضها الصيغة المقترحة خارج مظلة الأمم المتحدة وموازناتها الإلزامية.
فتأسيس قوة أوروبية بتفويض من بروكسل سيصطدم حتماً بعقبة الشرعية الدستورية داخل لبنان، إذ سيتطلب الأمر إبرام اتفاقيات ثنائية أو جماعية معقدة تحتاج إلى غطاء تشريعي من البرلمان اللبناني، مما قد يفتح باباً جديداً للانقسام الداخلي حول طبيعة هذا الوجود، وتحوله المحتمل، في نظر بعض الأطراف، إلى تفويض أطلسي لحماية أمن إسرائيل بدلاً من حفظ السلام.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عند النظر إلى الكلفة المالية والاستدامة، إذ ستتحمل ميزانيات الدول المشاركة، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا، أعباء تمويل هذه القوة، في وقت تعاني فيه القارة الأوروبية من ضغوط اقتصادية، والتزامات عسكرية ضخمة تجاه ملفات إقليمية ودولية أخرى، في طليعتها الأزمة الأوكرانية.
ويتطلب الخروج من هذا المأزق صياغة مخرج آمن يقوم على مبدأ “الشرعنة المزدوجة”، من خلال دمج القوة الأوروبية المقترحة، أو تنسيق مهامها، تحت مظلة قرار جديد يصدر عن مجلس الأمن الدولي، مع تحويل مفهوم الدور الدولي من “الأمن البديل” إلى “أمن الدولة الذاتي”.
وتتجلى واقعية هذا الحل في حصر مهام القوات الأوروبية بتقديم الدعم اللوجستي، والتدريب المتقدم، وتزويد الجيش اللبناني بتقنيات المراقبة الذكية والحديثة لضبط الحدود البرية والبحرية، على أن تبقى الصلاحيات التنفيذية والميدانية، وحق استخدام القوة، محصورة بالجيش اللبناني وحده، صوناً للسيادة الوطنية، وتفادياً لأي صدام ميداني.
وفي المقابل، يستوجب هذا الترتيب الأمني إلزام المجتمع الدولي بربط القبول اللبناني بضمانات فعلية ومكتوبة لانسحاب القوات الإسرائيلية الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة مؤخراً، ومن مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، وبلدة الغجر، ووقف الخروقات الجوية والبحرية نهائياً، بالتوازي مع فتح بروكسل خطوط حوار دبلوماسي إقليمي توفر شبكة أمان سياسية تمنع تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات.
فالأمن المستدام لن يصنعه العَلَم الأوروبي، بل تصنعه دولة لبنانية قادرة، وجيش يمتلك السلاح والقرار.

العميد المتقاعد محمد فهمي
عميد متقاعد ووزير داخلية سابق.
