المدرسة الرسمية في لبنان… سياسات أفقرَت التعليم وفكَّكت المشروع الوطني للمواطنة

قراءة سوسيولوجية خارج الصندوق

لم يعد ممكناً احتواء أزمة التعليم في لبنان عبر إجراءات إدارية ظرفية أو تسويات موسمية. فما يجري يتجاوز حدود التعثر المرحلي، ليعبّر عن تحوّل بنيوي عميق في وظيفة التعليم داخل المجتمع: من أداة للترقّي الاجتماعي وإعادة توزيع الفرص، إلى آلية فرز طبقي تعيد إنتاج اللامساواة وتُكرّسها.

بين مدارس خاصة ترفع أقساطها خارج أي سقف اجتماعي أو تنظيمي مقبول، ومدرسة رسمية تتآكل قدراتها البشرية والمؤسساتية، يُدفَع المجتمع اللبناني تدريجياً نحو نموذج تعليمي انتقائي، لا نحو نظام وطني جامع. نموذج يُقصي بدل أن يدمج، ويُراكم الفوارق بدل أن يحدّ منها.

هذا المسار ليس طارئاً، ولا يمكن اختزاله كنتيجة مباشرة للانهيار الاقتصادي فحسب، بل هو حصيلة خيارات سياسية طويلة المدى تعاملت مع التعليم الرسمي بوصفه خدمة هامشية، لا جهازاً مركزياً لإنتاج المواطنة، ولا ركيزة بنيوية في بناء الدولة الحديثة وإعادة إنتاج نخب معرفية قادرة على قيادة المجتمع.

في علم الاجتماع السياسي، لا يُختزل حضور الدولة بفرض الأمن وجباية الضرائب فقط، بل يُقاس بقدرتها على ضمان تكافؤ نقطة الانطلاق بين المواطنين. المدرسة الرسمية هي هذه النقطة المفصلية. وعندما تضعف، يضعف معها مفهوم المواطنة ذاته، بوصفه انتماءً متساوياً لا امتيازاً طبقياً.

من منظور علم اجتماع التربية، لا تُعدّ المدرسة مجرد مساحة لنقل المعرفة، بل مؤسسة اجتماعية مركزية تتقاطع داخلها بنى الأسرة والاقتصاد والسلطة والثقافة. ووفق مبدأ المطابقة (Correspondence Principle)، تعكس العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة البنية الاجتماعية الأوسع، وتُعيد في الوقت نفسه إنتاجها. فالمنهج، وأنماط الانضباط، وآليات التقييم، وتوزيع الفرص داخل النظام التعليمي ليست عناصر محايدة، بل ترتبط عضوياً بالبنية الاجتماعية السائدة.

انهيار الوظيفة: قراءة بنيوية–وظيفية

وفق المقاربة البنيوية الوظيفية، تؤدي المدرسة دوراً أساسياً في تحقيق التماسك الاجتماعي، ونقل القيم المشتركة، وتأهيل الأفراد للاندماج في سوق العمل والنظام العام. نظرياً، كان يُفترض بالمدرسة الرسمية في لبنان أن تكون الحاضنة الأولى للقيم الوطنية الجامعة، ومساحة إنتاج الانتماء المدني العابر للهويات الضيقة.

غير أن ما حصل لم يكن مجرد ضعف في الأداء، بل انهيار في الوظيفة نفسها. تمويل محدود، بنى تحتية مهترئة، مناهج لا تواكب التحولات المعرفية، وإدارة مركزية بطيئة ومترهلة؛ جميعها عوامل أضعفت القدرة التشغيلية للنظام. إلا أن العامل الحاسم تمثّل في تآكل الرأسمال البشري: المعلّم.

فالسياسات العامة والأزمات البنيوية المتراكمة أدّت إما إلى هجرة الكفاءات التربوية، أو إلى انسحابها القسري تحت ضغط انهيار الأجور وفقدان المكانة المهنية. ومع غياب سياسات جدّية للاستبقاء والتطوير المهني، دخل التعليم الرسمي مرحلة “الحد الأدنى الوظيفي” بدل “الحد الأدنى النوعي”. وهكذا، تحوّل الدور الوظيفي لمؤسسات التربية الرسمية من عنصر استقرار اجتماعي إلى عامل هشاشة بنيوية.

الصراع الاجتماعي: التعليم كمساحة لإعادة إنتاج اللامساواة

تقدّم نظرية الصراع قراءة أكثر حدّة للواقع التعليمي، إذ ترى في التعليم ساحة تعكس علاقات القوة وتُعيد إنتاجها، لا جهازاً محايداً. في الحالة اللبنانية، يجسّد انحسار المدرسة الرسمية مقابل توسّع التعليم الخاص والطائفي انتقال مركز إنتاج الفرص من المجال العام إلى مجالات مغلقة طبقياً وهوياتياً.

سوسيولوجياً، عندما تفقد مؤسسة عامة جودتها، لا ينهار الطلب عليها فوراً، بل تنسحب منها تدريجياً الفئات القادرة. وهذا ما حدث فعلياً. فالطبقة الوسطى، التي شكّلت تاريخياً الحاضن الأساسي للمدرسة الرسمية، اتجهت نحو التعليم الخاص. ومع خروجها، تراجع الضغط الاجتماعي لتحسين الجودة، فتحوّلت المدرسة الرسمية إلى ملاذ للفئات الأضعف، وخفّ صوتها في المجال العام، ودخلت في حلقة تدهور ذاتي معروفة في أدبيات تفكك المؤسسات العامة.

في المقابل، لم يعد التعليم الخاص خياراً تربوياً بحتاً، بل تحوّل إلى آلية حماية اجتماعية. فالأسرة لم تعد تشتري تعليماً فقط، بل تشتري رأسمالاً علائقياً ورمزياً، ولغة اجتماعية، وموقعاً طبقياً. القسط المدرسي بات استثماراً في الهوية الطبقية، لا مجرد كلفة تعليمية. لذلك ترتفع الأقساط من دون أن ينخفض الطلب بالقدر المتوقع، لأن ما يُشترى يتجاوز الصفوف والكتب إلى الموقع الاجتماعي ذاته.

الميكرو–اجتماعي: أثر التجربة المدرسية على تكوين الذات

من منظور التفاعلية الرمزية، تتشكّل الهويات والتوقعات من خلال التفاعلات اليومية. في مدرسة رسمية متدهورة، لا تكون خبرة الطالب معرفية فقط، بل وجودية أيضاً: شعور بالإهمال، نقص في الموارد، ورسائل ضمنية عن محدودية الفرص. هذه التجارب تُخزَّن في الوعي الاجتماعي، وتؤثر لاحقاً في تصوّرات الفرد عن ذاته وعن الدولة. فالمدرسة هنا لا تنقل المعرفة فحسب، بل تبني تصوراً عن القيمة الذاتية والموقع الاجتماعي.

الهيكل والفاعل: دورة الضعف المتبادل

تُسهم نظرية الهيكلة (Structuration) في فهم التفاعل الجدلي بين ضعف البنى وضعف الفعل. فالهياكل المؤسسية الهشّة، من تمويل وإدارة ومناهج، تُنتج سلوكيات تكيّفية لدى الفاعلين: معلمون ينسحبون، إدارات تدير الحد الأدنى، وطلاب يخفضون سقف توقعاتهم. هذه السلوكيات، بدورها، تُعيد إنتاج ضعف الهيكل. إنها دائرة مغلقة من الانحدار المؤسسي والامتثال الاجتماعي.

فشل التنظيم: دولة ضعيفة وسوق تعليمي منفلت

في موازاة ذلك، يعمل السوق التعليمي الخاص في لبنان من دون تنظيم بنيوي فعّال: غياب سياسة تسعير واضحة، ضعف الشفافية، هشاشة الرقابة، وتشتت المرجعيات. النتيجة هي علاقة قوة غير متكافئة بين المدرسة والأسرة. فالدولة لم تبنِ نموذجاً رسمياً قوياً، ولم تضبط نموذجاً خاصاً متضخماً، فاجتمع ضعف العام مع فوضى الخاص.

خارج الصندوق، ما نشهده هو تفكك “عقد التعليم الاجتماعي”. تاريخياً، كان هناك اتفاق ضمني يقضي بأن تضمن الدولة تعليماً رسمياً ذا جودة مقبولة، فيما يضيف التعليم الخاص التنوع. اليوم، انقلبت المعادلة: أصبح الخاص هو الأصل، وتحولت المدرسة الرسمية إلى شبكة أمان هشة. ومع اختفاء الفضاء التعليمي المختلط طبقياً وثقافياً، تتآكل إحدى أهم ساحات بناء الروابط الوطنية.

التعليم والمواطنة: حين يتفكك الأساس

النتيجة الأبعد لا تقتصر على أزمة أقساط أو تعثّر سنوات دراسية، بل تتمثل في إعادة تشكيل غير متكافئة للبنية الاجتماعية: موارد متفاوتة، شبكات مغلقة، فرص غير متساوية، وثقة ذاتية موزعة طبقياً. لم يعد التعليم يعكس التفاوت فحسب، بل بات يصنعه ويثبّته.

المشكلة ليست في وجود تعليم خاص قوي، بل في غياب دولة تعتبر التعليم الرسمي بنية سيادية للعدالة الاجتماعية. المطلوب ليس دعماً ظرفياً، بل إعادة بناء شاملة للدور التعليمي للدولة: موازنة حقيقية، إدارة مرنة ومستقلة، مسار مهني جاذب للمعلمين، تحديث للمناهج، ورقابة مالية صارمة على التعليم الخاص.

حين تتخلى الدولة عن المدرسة، لا تترك الأهل وحدهم في مواجهة قهر المؤسسات الخاصة فحسب، بل تترك المجتمع بأسره في مواجهة مستقبل غير متكافئ. فالتعليم ليس خدمة في السوق الاستهلاكي، بل البنية التحتية للمساواة. وإذا انهار هذا الأساس، ينهار معه المعنى العملي للمواطنة نفسها.

مقالات الكاتب

مي خضر

باحثة في علم الاجتماع السياسي.