أخطاء على رقعة الشطرنج اللبنانية

 

من المسلَّم به أن «حزب الله» كيانٌ الأمنُ عنده قبل السياسة، إذ اعتاد أن يجعل الهوية الوطنية في المرتبة الثانية، تبعًا لهويته الدينية العليا التي تتحكم بمجمل سلوكه السياسي، متجاوزةً منطق الدولة بما هي حدودٌ معترفٌ بها دوليًا، وسيادةٌ يقرّها الدستور تُمارس في الداخل والخارج. ونتيجةً لجملةٍ من العوامل التي فرضتها ظروفٌ خارجية، تمكَّن الحزب من أن يرث الوصاية السورية بعد خروجها من لبنان في ربيعٍ من الأعوام الماضية، بضغطٍ أميركي–فرنسي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لتغدو علاقاته مع الحكومات المتعاقبة ملتبسةً، جوهرها مجموعة معادلاتٍ سهَّلت هيمنته على الداخل اللبناني، وأفرزت نتائج سياسية كرّست انقسامًا حادًا بين اللبنانيين، أضرّ بصورة لبنان وزاد من شكوك المجتمع الدولي حيال قدرة الدولة على إدارة شؤونها ضمن سقف مصالحها الوطنية.

ومن بين تلك المعادلات، توزيعُ الاختصاص بين الدولة والحزب، أي معادلة “السياسة والأمن” من اختصاص محور الممانعة، فيما الاقتصاد والسياحة من اختصاص الفريق الآخر. ثم معادلة “الجيش، الشعب، والمقاومة”، غير أنّ المعادلة الأخطر على السيادة هي تلك التي فرضها الحزب على اللبنانيين باعتباره الجهةَ الحصرية المسؤولة عن حماية لبنان، ما جعل دوره يتفوّق على المؤسسة العسكرية التي لم تنل الدعم المطلوب، في محاولةٍ لإبقاء الحجة الدائمة للاحتفاظ بالسلاح، بحجة أن سلاح الشرعية في لبنان عاجز عن القيام بالمهمة التي أوكلها إليه اتفاق الطائف، الذي اعتبر أن “المهمة الأساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن”.

طوال عهودٍ متعاقبة، استمرت تلك المعادلات تتحكم بالسياسة في لبنان لتصبح سلوكًا نمطيًا قاد إلى إنتاج دولةٍ عميقة متجذّرة تحكم وتتحكّم، فيما بقيت سائر المؤسسات مجرّد كياناتٍ صورية عاجزة عن فرض نفسها أمام تغوّل منطق الدويلة. فلا قدرة للحكومة على ممارسة سيادتها على كامل أرضها، ومع أنّ تحديد المصلحة الوطنية هو ركيزة وجود الدول، إلا أنّ هذه الأخيرة في لبنان عجزت عن فرض منطقها، تاركةً لقوى الممانعة حريةَ التدخل في شؤون دولٍ أخرى، طالما أن مصالحها تتوافق مع ذلك. فكان الدخول إلى سوريا تعبيرًا عن مصلحة الراعي الإقليمي، المتمثّلة بعدم السماح بإسقاط بشار الأسد، من دون الأخذ في الاعتبار مقتضيات المصلحة اللبنانية، فبدا لبنان جرّاء ذلك دولةً شبه فاشلة، ومعزولة عن محيطها العربي، حتى باتت العديد من الدول العربية تنظر إلى الجغرافيا اللبنانية كمصدر خطرٍ على الأمن القومي العربي برمّته.

تمادَت تلك العقلية في ارتكاب الأخطاء المميتة بحق لبنان وشعبه، إلى حدّ التورّط في حرب إسنادٍ أدّت إلى مقتل وتشريد الآلاف، وتدمير قرى جنوبيةٍ بأكملها وبنى تحتية حيوية، فضلًا عن التسبّب بإعادة الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط في الجنوب ومنع عودة الأهالي إلى قراهم، وسط خنقٍ متعمَّد للنقاش الوطني المسؤول الهادف إلى تحديد المسؤوليات، تجنّبًا لإعادة الكارثة مرةً أخرى.

وبعد أن وضعت حرب الإسناد أوزارها بتوقيع اتفاق وقف النار برضى مطلقٍ من الطرف الذي تورّط فيها، استمرت الأخطاء تُرتكب على رقعة الشطرنج اللبنانية، إنما هذه المرة من قبل السلطة اللبنانية التي لم تتصرف حتى الآن بما يمليه عليها واجبها في نقل الدولة من موقع المتلقّي إلى موقع الفاعل، كما يجب أن يكون، وفقًا لإلزامات الدستور بوصفه نصًّا تخضع له السياسة لا العكس.

فالحكومة الحالية تبدو مرتبكةً أمام الكثير من الملفات، ولا وضوح في ما يتعلّق بفعالية القرار حول حصرية السلاح. وقد كشفت “حادثة صخرة الروشة” تصدّعًا داخل الجسم الحكومي، إذ لم يُلاحظ وجود خيطٍ ناظم لكيفية التعاطي مع المسألة وفق سياسة محددة، فكان رئيس الجمهورية وبعض الوزراء في اتجاه، ورئيس الحكومة في اتجاهٍ آخر، الأمر الذي أعطى إشاراتٍ سلبية في الداخل والخارج.

وفي كل مرةٍ تشهد الحياة السياسية خلافًا بين مكونات السلطة، لا يعرف اللبنانيون كيف بدأ الخلاف ولا كيف انتهى، وكل ذلك على حساب الدولة والشعب الذي يدفع الأكلاف الباهظة منفردًا. وهنا يجدر التساؤل حول مجموعةٍ من الوقائع التي حكمت تشكيل الحكومة وبعض التعيينات التي مثّلت بحدّ ذاتها سياسةً خاطئة، كتعيين قائد جهازٍ أمني أساسي من البلدة نفسها التي ينتمي إليها الوزير المسؤول عنه، وهو ما قد يؤدي إلى خللٍ في تنفيذ الأوامر أو إلى تعارضٍ في المصالح.

ولا يقتصر ارتكاب الأخطاء على أهل السلطة فحسب، بل يمتد إلى الطرف الآخر أيضًا، أي الشعب، من خلال المعارضين وقوى المجتمع المدني الذين يتبارون في هدر الطاقات في تنافساتٍ عقيمة لا طائل منها، إذ يفشلون في الوصول إلى صياغة برنامجٍ تغييري حقيقي جامع يحقّق الإصلاح ويخلق الظروف المؤاتية لفرض التوازن بين السلطة والشعب، إذ من دون هذا التوازن لا تغيير ولا قدرة على المحاسبة، لا شعبيًا ولا مؤسساتيًا.

لذا، لا بدّ من فتح النقاش على مصراعيه بين أصحاب المصلحة في بناء دولة الحق والمؤسسات، ونحن على أبواب انتخاباتٍ نيابية مفصلية، وإلا سنظل ندور في الحلقة المفرغة ونهدر الفرص التي لا تُعوَّض… ولا ساعةَ مندم.

 

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.