الآية القرآنية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19)، تُتلى منذ أربعة عشر قرنًا بوصفها حُكمًا نهائيًا يُغلق باب النقاش، وكأنها ختمٌ سماوي يمنح شرعية واحدة للدين، ويلغي ما سواه من رؤى وديانات وأفهام. غير أن جوهر الإشكال ليس في النص ذاته، بل في ما أُسقط عليه من تأويلات سلطوية ومذهبية حوّلته من إعلانٍ عن قيمة روحية كونية إلى سلاح أيديولوجي لاحتكار الله واحتكار الحق.
حين يُقرأ النص بعيون الفقهاء لا بعين الإنسان، يتحول إلى أداة إقصاء لا إلى نداء توحيد. إذ صار الإسلام، الذي في الأصل يعني “الاستسلام للحق والخير”، مجرد هوية حزبية أو مذهب فقهي أو شعار سياسي، يُرفع فوق منابر التكفير، وتُسفك باسمه الدماء. لقد أفرغ المسلمون الآية من معناها الإنساني، ثم راحوا يتقاتلون باسمها.
فأيّ إسلام هذا الذي عند الله؟
هل هو إسلام السلفية الذين جعلوا الله كائنًا يجلس على عرش، له يد ووجه وصوت، ويغضب ويرضى كما يغضب البشر؟
أم إسلام الشيعة الاثني عشرية الذين نقلوا العصمة من الإله إلى بشر من نسل محدّد، فحوّلوا الإيمان إلى ولاء دموي لا إلى وعي أخلاقي؟
أم إسلام الشافعية الذين ربطوا الدين بمجلدات الفقه وأحكام الطهارة والنجاسة حتى غابت القيم وراء النصوص؟
أم إسلام الحنبلية التي جعلت من النقل صنمًا ومن الاجتهاد كفرًا؟
أم إسلام الحنفية والمالكية والإباضية والإسماعيلية الذين يرون كلٌّ منهم أن طريقه هو المستقيم وسواه ضلال؟
أو … أو…
لو كان الإسلام الذي عند الله هو ما يمثله هؤلاء جميعًا، لأصبح الله نفسه متناقضًا بعدد مذاهبهم. فكل فرقة تزعم أنها الناجية، وكل طائفة تُقصي غيرها، وكل مذهب يحتكر السماء وكأن الله صار مواطنًا في أرضهم، وجنسه من جنسهم، ولسانه من لسانهم.
أين الله الذي قالوا إنه رحمان رحيم؟ وأين الإسلام الذي زعموا أنه دين الرحمة؟
لقد صار الإسلام اليوم حلبة صراع بين من يحتكر الله بالسيف ومن يحتكره بالكلمة.
إنّ من يقرأ الآية اليوم بعقل حرّ يدرك أنّها لا تتحدث عن دين مؤسسي اسمه الإسلام، بل عن حالة روحية، عن الاستسلام للحقّ الإلهي الكوني الذي سبق كل الأديان وتجاوزها. فالإسلام الحقيقي ليس تلك الشعائر ولا تلك الطقوس ولا تلك العمائم، بل هو انفتاح القلب على الحق والعدل والرحمة.
الإسلام الذي عند الله ليس الإسلام التاريخي الذي أسسه الفقهاء على دماء الحروب والغزوات، ولا الإسلام السياسي الذي يرفع شعارات الشريعة ليصل إلى الكرسي، بل هو الإسلام الإنساني الذي يجعل من الإنسان قيمة عليا لا وسيلة في يد السلطان.
لقد كانت الآية في زمن نزولها موجهة في سياق جدل لاهوتي بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وكان المقصود بالإسلام آنذاك هو الاستسلام لله الواحد في مقابل التناحر الديني بين الفرق السابقة. أما أن تُقرأ اليوم وكأنها إعلان حرب على كل من لا يعتنق الإسلام التاريخي، فذلك انقلاب على جوهر الرسالة وتشويه لروحها الأصلية.
إنّ مأساة الفكر الديني الإسلامي تكمن في أنه جعل من النصّ أداةً لتأبيد السيطرة لا لتحرير الإنسان. فبدل أن تكون “إن الدين عند الله الإسلام” دعوة إلى وحدة الروح البشرية، أصبحت ذريعة لتكفير المسيحي واليهودي والبوذي والملحد، بل لتكفير المسلم المختلف في المذهب أيضًا.
تحت هذه الآية وحدها سُفكت دماء لا تُحصى، واشتعلت حروب، ونُصبت محاكم تفتيش، وسُجن من تجرأ على التفكير، وقُتل من سأل عن المعنى. والمفارقة أن الذين يحتكرون الإسلام باسم الله، هم أبعد ما يكونون عن الله.
فكيف يمكن أن يكون الدين عند الله هو الإسلام، بينما المسلم يقتل أخاه المسلم لأنه ينتمي إلى طائفة أخرى؟ كيف يكون الإسلام دين الرحمة، وهو يُستخدم لتبرير القتل والرجم وقطع الأيدي وقمع النساء؟ كيف يكون الإسلام دين العدل، وهو يشرّع التمييز بين الرجل والمرأة، بين المسلم وغير المسلم، بين الحر والعبد؟
لو كان الدين عند الله الإسلام بمعناه المذهبي الضيق، لكان الله متحيّزًا، عنصريًا، متقلبًا بين الفقهاء، يغيّر رأيه كلما تغيّر المذهب. لكن الله، في جوهره، ليس فقيهًا ولا سياسيًا ولا شيخًا على منبر، بل هو رمز للوعي الأعلى في الإنسان، هو جوهر الخير والعدل فينا، هو ما يجعلنا نختار الحق لا لأننا نخاف النار بل لأننا نحترم الإنسان.
لهذا نقول: إن الدين عند الله ليس الإسلام الذي في الكتب، ولا الذي في المذاهب، ولا الذي في المساجد، بل هو الإنسانية. الإنسانية التي تجعل الإيمان فعل حبّ لا طاعة، فعل وعي لا تبعية، فعل عدل لا قهر. فالله الذي يُعبَد عبر ذبح الإنسان ليس إلهًا، بل صنم بشري. والإسلام الذي يكره المختلف ليس دينًا، بل أيديولوجيا خوف وكراهية.
لقد آن الأوان أن نقرأ النصوص بعيون جديدة، لا بعقل القرون الوسطى. أن نفهم أن الله لا ينتمي إلى الإسلام، بل الإسلام هو الذي يجب أن ينتمي إلى الله ـ إلى جوهر الرحمة والعدل. فكل دينٍ يلغى فيه الإنسان يصبح دينًا ضد الله نفسه، لأن الله لا يكون إلهًا إلا بقدر ما يكون الإنسان حرًا وكريمًا ومتفكرًا.
إن كل من ظن أن طريق الجنة يمر عبر مذهب واحد، لم يعرف الله، لأن الله ليس طريقًا بل هو النور الذي يُضيء كل الطرق. كل من ظن أن الله منح صكوك الخلاص لطائفة، فهو في الحقيقة عبدٌ لطائفته لا لربه. كل من ظن أن الإسلام وحده طريق النجاة، فقد نسي أن الله لم يخلق الإنسان ليكون مؤمنًا أو كافرًا، بل ليكون حرًا ومسؤولًا عن اختياره.
من هنا، تصبح الآية “إن الدين عند الله الإسلام” نداءً يُفهم لا من خلال النص الجامد، بل من خلال روحها العميقة: أن الدين عند الله هو الاستسلام للحقيقة الكونية، وهي الإنسانية.
فمن أحبّ الإنسان أحبّ الله، ومن أهان الإنسان أهان الله، مهما صلى وصام وحجّ. الإنسان هو قبلة الله، وكرامته هي الوحي الأعظم. الإسلام الذي عند الله لا يعلّق على أبواب المساجد، بل في ضمائر الأحرار.
هو الإسلام الذي لا يسجد إلا للحق، ولا يخاف إلا من فقدان الإنسانية. هو الإسلام الذي يرى في المسيحي واليهودي والبوذي والملحد أخًا في الوجود، لا عدوًا في العقيدة. هو الإسلام الذي لا يطلب الجنة، بل يصنعها على الأرض بالعدل والرحمة.
فلو سألنا الله اليوم: “يا رب، عن أي إسلام تتحدث؟ عن السلفية أم الشيعة؟ عن الشافعية أم الإباضية؟ عن الوهابية أم الإسماعيلية؟ أم عن هذا المذهب أو ذاك؟” لربما أجاب بصوت الإنسانية: “الدين عندي هو ما يجعلك إنسانًا، لا ما يجعلك مسلمًا> فكل من أحبّ الإنسان أحبّني، وكل من قتل باسم ديني خانني”.
ذلك هو الإسلام الذي عند الله: لا إسلام المذاهب ولا الفتاوى، بل إسلام الضمير، إسلام العقل، إسلام القلب الذي يسجد للحقيقة وحدها. إنه دين الإنسانية، الدين الوحيد الذي لا يحتاج إلى آية تثبته، بل إلى إنسانٍ يعيه.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
