أزمة الدولة في لبنان: ماذا بعد السلاح؟

بات من الملحّ اليوم أن يسأل اللبنانيون ماذا بعد السلاح؟ على افتراض أن السلاح سيذوب في الدولة أو يتم دمج حملته في المؤسسات، أو أن ينتزع ويصادر إما بالتوافق أم عن طريق قرارات ما. ماذا بعد تحوّل الأحزاب المسلحة إلى أحزاب سياسية كباقي الأحزاب؟ (بالمناسبة هذا ما جرى بعد الحرب الأهلية)ّ وماذا بعد الحديث المتكرر عن “استعادة الدولة”؟ والسؤال الأعمق ليس متى تعود الدولة، بل: أي دولة ستعود؟ وهل هي موجودة أصلاً لتعود؟ وكيف ستنتظم المؤسسات؟!

في لبنان، المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في غياب المأسسة. يضاف إليها المشاكل الأهم التي لا تقل سوءاً، منها الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، الانفلات الأمني، العلاقات مع الجوار، ترسيم الحدود، الاحتلالات المتعددة الأشكال المرئية المشرعنة، والمخفية المتسللة. فالدولة التي يُفترض أن تكون بديلاً عن السلاح لم تكتمل يوماً كدولة حديثة قائمة على المؤسسات رغم الخطب والنوايا الطيبة والبيانات المنقحة. لذلك، فإن مجرد إزالة السلاح أو مصادرته لا يعني تلقائياً ولادة دولة قوية، بل قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس الخلل السابق بأدوات مختلفة.

والتجربة اللبنانية التاريخية تقدم مؤشراً واضحاً. بعد عام 1982، ومع خروج المقاومة الفلسطينية، ساد شعور لدى القوى اليسارية والوطنية بأن مرحلة انتهت وأن التوازنات ستُعاد صياغتها. خافت هذه القوى من الفراغ، وظن كثيرون أن الحياة السياسية كما عُرفت قد توقفت. لكن ما حدث فعلياً هو العكس: الأحزاب أعادت ترميم نفسها، وتكيّفت مع الواقع الجديد، واستمرت داخل بنية طائفية لم تتغير.

وفي عام 1990، صادرت الدولة سلاح معظم الميليشيات، لكن هذه المصادرة لم تأتِ في سياق سيادي داخلي خالص، بل في ظل ميزان قوى إقليمي واضح: نفوذ عسكري سوري مباشر في عهد حافظ الأسد، غطاء عربي شبه كامل، ودعم أميركي لاتفاق الطائف. هكذا، لم يكن نزع السلاح نتيجة اكتمال الدولة، بل نتيجة ترتيبات سياسية فرضت إنهاء الحرب ضمن شروط محددة.

فاتفاق الطائف نفسه الممجد والمنظَّر له بأنه طريق الخلاص الأوحد، والذي كان يفترض أن يؤسس لمرحلة دولة، صيغ إلى حد كبير من قبل أطراف خرجت من الحرب نفسها وكان شريكاً مؤثراً فيها (تمت عملية إعادة تأهيلها)، أي صار الزعماء الميليشياويون هم السلطة، فانتقلوا من حملة سلاح إلى بناة دولة. فبدل أن يُعاد بناء النظام على قاعدة المواطنة، جرى تعديل توازناته: انتُزعت صلاحيات من موقع، وأُعيد توزيعها داخل مجلس وزراء تحوّل عملياً إلى مجلس تمثيلي للطوائف أكثر منه سلطة تنفيذية موحّدة. لم تُلغَ الطائفية، بل أُعيد تنظيمها.

في هذا السياق، لعب الوجود السوري دور “الضامن” للطائف، لكنه كان أيضاً المستفيد منه. إذ نشأت طبقة سياسية ارتبطت بهذا النفوذ، وحمت استمراره، مقابل أن يؤمّن لها البقاء في السلطة. ومع الوقت، تحوّل هذا التداخل إلى شبكة مصالح متبادلة: النظام الإقليمي يؤمّن الاستقرار السياسي النسبي، والطبقة السياسية تؤمّن الغطاء الداخلي. هذا النموذج لم يُنتج دولة، بل أنتج استقراراً مضبوطاً يخدم ميزان القوى القائم.

تحوّلات النفوذ في لبنان: من الهيمنة المباشرة إلى السيطرة المركّبة

ومع انسحاب الجيش السوري لاحقاً، لم ينهَر هذا النظام، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات جديدة. فالشبكات التي نشأت بقيت، والتحالفات تغيّرت لكنها لم تُلغَ. وهكذا، انتقل النفوذ من صيغة إلى أخرى، من دون أن تتشكل دولة فعلية قادرة على الاستقلال بذاتها.

لكن هذا الانتقال لم يكن سلساً أو حيادياً، بل جرى على خلفية مرحلة شديدة الاضطراب، ترافقت مع سلسلة من الاغتيالات السياسية التي لم تكن مجرد أحداث أمنية، بل محاولات لإعادة تشكيل التوازنات وإعادة تعريف من يملك القرار داخل النظام. في تلك اللحظة، بدا وكأن مرحلة بكاملها تُطوى، لا فقط بخروج قوة إقليمية، بل بإزاحة شخصيات وقوى كانت قد بنت نفوذها ضمن معادلات سابقة، لتُستبدل تدريجياً بوجوه وتحالفات جديدة أكثر انسجاماً مع السياق الإقليمي المتحوّل.

بهذا المعنى، لم يكن الانسحاب نهاية النفوذ بقدر ما كان إعادة توزيع له. القوى التي ارتبطت بمرحلة معينة تراجع دورها مع تراجع رعاتها أو تبدل أولوياتهم، فيما صعدت قوى أخرى، بعضها استند إلى شرعيات جديدة—سياسية أو دينية—وسعى إلى تثبيت حضوره داخل بنية الدولة نفسها، لا خارجها فقط.

وفي هذا السياق، برزت بوضوح قوى ذات طابع ديني-أيديولوجي أكثر حدّة، لم تكتفِ بالعمل السياسي التقليدي، بل سعت إلى إعادة تعريف المجال العام عبر خطاب تعبوي عابر للحدود. بعضها حاول الذهاب نحو مشاريع راديكالية قصوى، وصلت في لحظات معينة إلى تصور إقامة “دولة” بديلة برمزيتها وشعاراتها الخاصة، كما شهدت المنطقة مع صعود تنظيمات رفعت راياتها السوداء، مستفيدة من انهيارات إقليمية عميقة. في المقابل، ظهرت نماذج أخرى رسّخت حضورها عبر خطاب مقاومة منظّم ومؤسساتي، برمزيات مختلفة، لكنها بدورها عززت فكرة الازدواج بين الدولة وبنية موازية لها.

المفارقة أن هذه التيارات، على اختلافها، تغذت من بعضها البعض. فكل صعود لخطاب متطرف أو تعبوي في جهة، كان يولّد خطاباً مقابلاً في جهة أخرى، ما خلق بيئة دائمة الاستنفار، تُستخدم فيها الشعارات—الدينية أو المقاومة—كأدوات تعبئة وتثبيت نفوذ، لا كمسارات لبناء دولة جامعة.

وهكذا، بدل أن يتحول الانسحاب إلى لحظة تأسيسية لدولة مستقلة، أصبح مرحلة انتقالية أعادت إنتاج الصراع بأشكال جديدة: من نفوذ مباشر إلى نفوذ غير مباشر، من هيمنة واضحة إلى توازنات هشّة، ومن صراع سياسي تقليدي إلى تداخل بين السياسي والأمني والأيديولوجي.

في المحصلة، لم يكن التغيير الذي تلا تلك المرحلة تغييراً في بنية النظام، بل تبديلاً في أدواته وفاعليه، ما أبقى الدولة في موقع المتلقي، لا الفاعل، وأجّل مرة أخرى ولادة كيان قادر على الإمساك بقراره بعيداً عن تقلبات الإقليم.

فقدان الثقة بالدولة: ذاكرة الانهيار والسؤال عمن يحمي

وهنا تبرز عقدة أساسية تفسر الكثير من السلوك اللبناني: فقدان الثقة التاريخي بقدرة الدولة على الحماية. هذا الشعور لم ينشأ نظرياً، بل تراكم عبر محطات مفصلية:

  • خلال الحرب الأهلية (1975–1990)، انهارت مؤسسات الدولة وانقسم الجيش نفسه، ما جعل اللبنانيين يعتمدون على الميليشيات للحماية.
  • في اجتياح 1982، لم تستطع الدولة حماية بيروت ولا الجنوب، فترسخ شعور بأن الدفاع الفعلي يأتي من خارجها.
  • خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب حتى عام 2000، غابت الدولة فعلياً عن تلك المناطق، وترك فراغها لقوى أخرى ملأته.
  • في أحداث أيار 2008، ظهر مجدداً عجز الدولة عن ضبط السلاح داخل العاصمة نفسها.
  • وفي أزمات لاحقة—من الانهيار الاقتصادي إلى انفجار مرفأ بيروت—تعزز الانطباع بأن الدولة لا تحمي، بل تنهار أو تنقسم أو تُدار وفق مصالح قوى نافذة.

هذه المحطات وغيرها صنعت وعياً جماعياً يعتبر أن الدولة ليست ضامناً، بل كياناً قابلاً للاهتزاز في أي لحظة. لذلك، حين يُطرح نزع السلاح، لا يُقابَل فقط بسؤال سياسي، بل بسؤال وجودي: من يحمينا إذا غابت كل القوى الأخرى؟

السلاح بين المقاومة والوظيفة السياسية: إشكالية الشرعية والاستمرار

في مقابل هذا الشك العميق، يظهر خطاب آخر لا يمكن تجاهله: أن السلاح هو الذي يحمي، وأن “المقاومة” حق مشروع ما دام هناك احتلال أو تهديد خارجي. هذا الخطاب يستند إلى تجارب تاريخية عالمية، حيث نجحت حركات مسلحة في مواجهة قوى كبرى—كما في التجربة الفيتنامية ضد الولايات المتحدة، أو التجربة الصينية في حروبها التحررية—ويُستحضر هذا النموذج لتبرير استمرار السلاح خارج إطار الدولة.

غير أن الإشكالية في الحالة اللبنانية لا تكمن في مبدأ المقاومة بحد ذاته، بل في غياب التحول من “سلاح مقاومة” إلى “مؤسسة دولة”. ففي تلك التجارب، تحوّل السلاح في النهاية إلى جزء من دولة مركزية موحدة، بينما في لبنان بقي السلاح مرتبطاً ببنية طائفية وبشبكات مصالح، ولم يندمج في إطار وطني جامع. وهنا يكمن التوتر الأساسي بين من يرى السلاح حماية، ومن يراه خطراً على فكرة الدولة نفسها.

هذا السياق يجعل التفكير في “لبنان ما بعد حزب الله” أكثر تعقيداً مما يبدو. فالمشكلة ليست فقط في وجود السلاح، بل في الوظيفة التي يؤديها داخل النظام. السلاح في لبنان لم يكن يوماً مجرد أداة مقاومة، بل كان دائماً جزءاً من شبكة مصالح داخلية وخارجية. السلاح المسيحي ارتبط بمشاريع خارجية، والسلاح اليساري كذلك خلال الحرب الأهلية، والسلاح الشيعي في مرحلته الراهنة لم يخرج عن هذا النمط، إذ استُثمر ليس فقط في مواجهة الاحتلال، بل في تعزيز نفوذ سياسي، وتأمين حضور داخل مؤسسات الدولة، وحماية شبكة مصالح مترابطة.

وهنا تبرز حقيقة إضافية لا تقل خطورة: أي التزام بالسلاح عبر الاستقواء بعدوّ خارجي، أو عبر منطق “الحماية مقابل الولاء”، سيعيد إنتاج دورة السلاح نفسها.

 سيناريوهات ما بعد السلاح: بين الفراغ وإعادة إنتاج النظام

من هنا، فإن أي حديث عن نزع السلاح يطرح مباشرة سؤالاً موازياً: من سيملأ الفراغ؟

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. السيناريو الأوَّل: دولة ضعيفة تُعيد إنتاج التوازنات القديمة. في هذا السيناريو، يُنزع السلاح أو يُحيَّد، لكن من دون بناء مؤسسات قوية. تعود القوى السياسية نفسها إلى التنافس داخل الدولة، لكن بروح طائفية تقليدية.
  2. السيناريو الثاني: صراع على “وراثة القوة”. قد تسعى قوى متعددة إلى ملء الفراغ عبر النفوذ داخل المؤسسات، لا عبر السلاح المباشر، ما يؤدي إلى تفكك أكبر. ففي غياب مأسسة حقيقية، قد تسعى قوى متعددة إلى ملء الفراغ الذي يتركه السلاح. ليس بالضرورة عبر تشكيل ميليشيات جديدة بشكل مباشر، بل عبر تعزيز نفوذها داخل الأجهزة والمؤسسات، أو عبر بناء شبكات حماية موازية. مثال ذلك يظهر حين تتحول بعض الأجهزة إلى امتداد سياسي لفئة معينة، أو حين تُستخدم التعيينات الإدارية لتعويض خسارة النفوذ العسكري. في هذا السيناريو، يتحول الصراع من صراع سلاح إلى صراع نفوذ داخل الدولة، وقد يؤدي ذلك إلى تفكك أكبر، لا إلى استقرار.
  3. السيناريو الثالث: انتقال حقيقي نحو دولة مؤسسات. وهو السيناريو الأصعب، ويتطلب إعادة بناء الدولة على أساس المساواة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وفصل السياسة عن منطق الغلبة الطائفية، وإعادة تعريف دور المؤسسات الأمنية والعسكرية كمرجعية وحيدة للسلاح. في هذا السياق، يمكن للحزب الذي كان يمتلك السلاح أن يتحول فعلياً إلى حزب سياسي، لكن ذلك مشروط بقبول قواعد اللعبة الجديدة، لا بمحاولة إعادة إنتاج نفوذه بوسائل أخرى.

لكن حتى هذا السيناريو لا يكفي إن لم يُدعَّم بما يمكن تسميته “العامل المناعي للدولة”. فالدولة في لبنان لا تحتاج فقط إلى نزع السلاح، بل إلى حماية نفسها من عودة السلاح بأشكال جديدة. التاريخ اللبناني يقدم تجربة لافتة في هذا السياق، حين سعى فؤاد شهاب في مطلع الستينيات إلى تحصين المؤسسة العسكرية ومنعها من الانجرار إلى الانقلابات، في ظل مناخ إقليمي مضطرب ومحاولات انقلابية، أبرزها محاولة الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961. لم يكن الهدف فقط ضبط السلاح، بل بناء مؤسسة قادرة على مقاومة التسييس والانقسام.

هذا الدرس لا يزال صالحاً: الدولة لا تُحمى بقرار سياسي فقط، بل ببناء مؤسسات محصّنة ضد الاختراق. ومن الأمثلة الحسية على غياب هذا العامل المناعي:

  • حين يُعيَّن مسؤول أمني أو إداري بناء على توازن طائفي لا على الكفاءة، يصبح ولاؤه مزدوجاً، وتفقد المؤسسة حيادها.
  • حين يشعر مواطن في منطقة ما أن القضاء لا ينصفه إلا إذا امتلك “غطاء سياسياً”، فإنه يبحث عن حماية خارج الدولة.
  • حين تُوزّع الخدمات الأساسية—كالكهرباء أو الطبابة—عبر قنوات حزبية، يتحول الحزب إلى بديل عن الدولة، ويصبح السلاح ضمانة لهذه الشبكة لا مجرد أداة عسكرية.

في مثل هذه البيئة، لا يكفي سحب السلاح، لأن الحاجة إليه ستُعاد إنتاجها. سيظهر من يقول إن “الدولة لا تحمي”، وإن “العدوان قادم”، وإن “الحقوق مهددة”، فيُعاد تسويق السلاح كضرورة.

 شروط قيام الدولة: المناعة المؤسسية والجيش الموحّد

لكن حتى هذا السيناريو لا يكفي إن لم يُدعَّم بما يمكن تسميته “العامل المناعي للدولة”. فالدولة لا تُحمى بقرار سياسي فقط، بل ببناء مؤسسات محصّنة ضد الاختراق.

ومن هنا تبرز ضرورة بناء جيش قوي موحّد، تكون مهمته الوحيدة حماية حدود الدولة—شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً—ضد أي عدوان. حين يثق اللبنانيون بهذه المؤسسة، يلتفون حولها، وتسقط الحاجة إلى أي سلاح موازٍ.

كما أن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية تصبح شرطاً أساسياً: توحيدها، مأسستها، وحصر دورها في حماية الداخل—من الجريمة والفساد والتطرف—بعيداً عن أي انتماء طائفي.

في موازاة ذلك، يبقى الشرط الأهم: تفكيك الطائفية داخل مؤسسات الدولة نفسها. فالإقلاع عن منطق “حقوق الطوائف” لصالح حقوق المواطنين هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة السلاح. فالإقلاع عن منطق “حقوق الطوائف” كما يُمارس اليوم، واستبداله بمفهوم حقوق المواطنين المتساوين، هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة السلاح. حين يشعر الفرد أن الدولة تحميه بغض النظر عن انتمائه، تنتفي الحاجة إلى الحماية الموازية.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة أساسية غالباً ما يتم تجاهلها: بناء مؤسسة عسكرية موحّدة قوية، يثق بها الجميع، وتُحدَّد لها وظيفة واضحة لا لبس فيها. فالحياد في لبنان يكاد يكون مستحيلاً في ظل موقعه وتاريخه، لكن يمكن تحويل هذا الواقع إلى عنصر استقرار عبر حصر مهمة الجيش في حماية حدود الدولة—شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً—ضد أي عدوان كان، ومن أي جهة أتى.

حين يقتنع اللبناني بأن الجيش وحده قادر على حمايته من الأخطار الخارجية، تتشكل حالة التفاف وطني حوله، ويُسحب من أي قوة أخرى مبرر امتلاك السلاح. أما حين يكون الجيش ضعيفاً أو منقسماً أو خاضعاً للتوازنات، فإن الفراغ الأمني يُملأ تلقائياً بقوى موازية.

ولا يكتمل هذا المسار من دون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية. فالتعددية الحالية في الأجهزة، مع ما يرافقها من انطباعات بالانتماء السياسي أو الطائفي، تُضعف الثقة وتُجزّئ الأمن. المطلوب ليس إلغاء الأمن، بل مأسسته، من خلال:

  • توحيد المرجعية الأمنية ضمن إطار واضح،
  • حصر وظيفة الأمن الداخلي في حماية المجتمع من الجريمة، والفساد، والانهيار الاقتصادي، والتطرف—أياً كان مصدره أو لونه أو خطابه،
  • منع تداخل الأدوار الذي يفتح الباب أمام الولاءات المتعددة.

حين تصبح المؤسسة الأمنية واحدة في وظيفتها، محايدة في أدائها، ومهنية في بنيتها، تنتفي الحاجة إلى القول إن هذا الجهاز يتبع لهذه الطائفة أو ذاك الحزب.

يبقى السؤال: هل يستطيع أي حزب، بعد تجربة امتلاك السلاح، أن يندمج بالكامل في نظام سياسي عادي؟

التجربة اللبنانية بعد 1990 تُظهر أن الدمج لم يكن كاملاً. كثير من القوى التي سلّمت سلاحها لم تُدمج فعلياً في الدولة، بل أُعيد تموضعها ضمن توازنات سياسية محددة، ما أبقى شعوراً دائماً بالإقصاء أو الغلبة. لذلك، فإن نجاح أي انتقال مشابه يتوقف على شمولية العملية، لا على انتقائيتها.

في العمق، المشكلة ليست في السلاح وحده، بل في البيئة التي أنتجته وتستمر في تغذيته، وفي النظام الذي وُلد من تسويات خارجية وداخلية ولم يتحول إلى دولة فعلية، وفي ذاكرة جماعية فقدت الثقة بالدولة كحامٍ فعلي. فحين تكون الدولة ضعيفة، وغير قادرة على تأمين العدالة والمساواة، يتحول السلاح إلى بديل وظيفي، حتى لو كان مكلفاً وخطيراً.

لبنان ما بعد السلاح لن يكون تلقائياً لبنان الدولة. قد يكون لبنان الفراغ، أو لبنان التوازنات الجديدة، أو—في أفضل الأحوال—لبنان الذي يقرر أخيراً أن يبني دولة حقيقية. لكن هذا القرار لا يتوقف على إزالة السلاح فقط، بل على الإجابة عن السؤال الأصعب: هل اللبنانيون مستعدون لبناء دولة تمتلك مناعة ذاتية، وجيشاً موحّداً يحمي حدودها، ومؤسسات أمنية غير قابلة للاختراق، وتتحرر من إرث الطائفية والتبعية، فتمنع عودة السلاح مهما تغيّرت الظروف؟

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.