ليست أزمة لبنان أزمة نظام سياسي فحسب، ولا أزمة طوائف متناحرة كما يُراد تبسيطها، بل هي قبل كل شيء أزمة ذهنية تاريخية متجذّرة: ذهنية الاستقواء بالخارج لتأديب الداخل، واستدعاء الأجنبي بوصفه حكمًا، وراعيًا، وسوطًا، في آنٍ واحد.
هذه الذهنية ليست وليدة القرن العشرين، ولا نتاج الحرب الأهلية، بل تعود إلى قلب التجربة الكيانية اللبنانية. فمنذ لحظة استجلاب السلاح من توسكانة لتمرد أمير على السلطنة العثمانية، ومرورًا باستقواء الأمير بشير بالمصريين لترسيخ حكمه، ثم خروجه مهزومًا على متن بارجة بريطانية، وصولًا إلى خروج الجزار على بارجة روسية بعد حصار بيروت، يتكرر المشهد نفسه: زعامة محلية عاجزة عن إدارة الداخل، فتستدعي الخارج ليحسم صراعها مع مجتمعها.
ولم يكن الانتداب الفرنسي خروجًا عن هذه القاعدة، بل تتويجًا لها. فلبنان الكبير لم يُبنَ نتيجة توافق داخلي، بل بقرار خارجي، رعته نخب محلية رأت في فرنسا امتدادًا لها، لا شريكًا عابرًا. وما إن انتهى زمن الوصاية المباشرة حتى دخل الكيان في دوامة بحثٍ دائم عن «راعي» جديد: واشنطن، القاهرة، دمشق، طهران، الرياض، باريس… تتغير العواصم، لكن العقل واحد.
هذه الذهنية أنتجت كيانًا مشوَّهًا: لا هو دولة سيّدة، ولا هو مجتمع سياسي متماسك. كيان يقوم على وهم الدور الرسولي والحضاري، وعلى اعتقاد مرضي بأن لبنان «أكبر من حجمه»، وأن أبناءه حملة رسالة، لا مواطنون في دولة. هذا الوهم يبرر العنف في الداخل باسم المقدس، ويبرر الارتهان في الخارج باسم الثقافة والتفوق.
من مشروع أيزنهاور، إلى حروب الآخرين على الأرض اللبنانية، إلى عام 1975 حيث جرى استدعاء «العرب» إلى الداخل، قبل أن يتحول التفويض إلى سوريا، التي غرق نظامها في وهم الزعامة العربية عبر البوابة اللبنانية، لم يكن لبنان يومًا ساحة محايدة، بل ساحة طلبت بنفسها أن تكون ساحة. وعندما خرج السوري، لم يولد الاستقلال، بل دخلنا مرحلة احتكار «المقاومة» وقوقعتها داخل طائفة بعينها، طائفة مثقلة بتاريخ من التهميش، فظنت أن استعادة الدور تمر عبر مشروع إقليمي جديد، يعيد إنتاج الاستقواء لا التحرر.
واليوم، ونحن نشهد مشاريع مضادة تستقوي بدورها بالخارج لإسقاط المشروع السابق، يتضح أن المأساة ليست في المشروع ولا في نقيضه، بل في القابلية اللبنانية الدائمة للاستتباع. مشروع يهزم مشروعًا، لكن الذهنية نفسها تبقى، وتتغذى، وتُعيد إنتاج زعامات وهمية تتقاسم الطوائف كما تُقسَّم الغنائم.
في كل طائفة «أبو عمرها»: وسيط خارجي أو داخلي–خارجي، رمز أو شخص، تُعلَّق عليه الآمال، ويُفوَّض ليتكلم باسم الجماعة، ويفاوض عنها، ويؤدبها عند اللزوم. هكذا تُستبدل الدولة بالأوصياء، والمؤسسات بالرموز، والمواطنة بالولاء. فلا تعود البلاد دولة، ولا كيانًا، ولا حتى «دولة فاشلة» بالمعنى العلمي، بل حظيرة سياسية تُدار فيها الغرائز، وتُستثار العصبيات باسم العقيدة والطقس والرمز.
وعندما يشتعل القطيع، يُعاد ضبط الإيقاع بخطاب التوازن، والتسامح، والعيش المشترك، إلى أن يحين استدعاء الخارج التالي. هكذا يدور لبنان في حلقة جهنمية: ثورة بلا مشروع، مقاومة بلا دولة، سيادة بلا استقلال، وديمقراطية بلا مواطنين.
في المحصلة، هذا بلد لم يُسمح له أن يكون وطنًا، لأنه هو نفسه لم يحسم رغبته في أن يكون وطنًا. بلد يتحدث سياسيّوه لغة العالم المتحضر، بينما يُدار بعقلية الوسيط والزعيم والطائفة. بلد لم يخرج بعد من عباءة الأمير، ولا من عقدة الحامي، ولا من وهم «الرسالة». ولذلك، سيبقى بركانًا خامدًا، لا يثور إلا ليُعيد إنتاج الخراب نفسه، ما لم تُكسَر هذه الذهنية من جذورها.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
