عدالة؟ أيّ عدالة…

من المعروف أنّه منذ بدء الأزمة المالية والمصرفية عام 2019، تفرض المصارف قواعد خاصة على المودعين لتنظيم عمليات السحب من حساباتهم، التي تُحجب عنهم بشكل تعسّفي وغير قانوني وغير دستوري.

وهنا يبرز دور مصرف لبنان المركزي في تنظيم عمل المصارف بموجب قانون النقد والتسليف. وقد أصدر تعاميم شهيرة (158 و166 وغيرهما) تسمح للمودعين باسترداد جزء من ودائعهم. غير أنّه، ووفقًا لهذه التعاميم، فإنّ استرداد الحسابات الكبيرة للمودعين قد يستغرق عقودًا، إن لم يكن قرونًا.

فهل يُعقل أن تكون الحكومة والمجلس النيابي، اللذان تقاعسا لعقود عن القيام بواجباتهما، وسمحا بحدوث هذه الأزمة المالية الخطيرة دون أن يتحمّل أحد مسؤوليتها، هما أنفسهما الجهتان المسؤولتان عن إعادة بناء ما دُمّر؟ وهل يجوز أن يكون الأشخاص أنفسهم الذين أسهموا في تدمير المنظومة المالية مسؤولين عن إعادة بنائها؟

من ناحية أخرى، يتحمّل القضاء اللبناني مسؤولية كبيرة في عدم كبح جماح المصارف، وعدم تحميل أصحابها ومديريها المسؤولية المدنية والجزائية عن أفعالهم. فلو كنّا في بلد يقوم على سيادة القانون، لكان من المفترض أن يتحمّل كلّ منهم تبعات أفعاله وقراراته، التي قد تؤدّي، في بعض الحالات، إلى الملاحقة الجزائية والسجن.

واللافت أنّ الحكومة والمشرّع وغيرهما يتحدّثون عن ضمان العدالة في إعادة الودائع. ولكن، عن أيّ عدالة يتحدّثون؟

فوفقًا للمسودات المختلفة المتداولة، يتساوى العميل الذي يملك حسابًا بملايين الدولارات مع العميل الذي يملك حسابًا بقيمة 100 ألف دولار أو أقل. فأيّ إنصاف في ذلك؟

الحجّة الرئيسية المطروحة هي أنّ 85% من الحسابات تقع ضمن فئة الـ100 ألف دولار وما دون. ولكن، هل يجيز حلّ الأزمة المالية التعدّي على ملكية أصحاب الحسابات الكبيرة لردّ الحسابات الصغيرة؟ وهل يجوز إدخال معيار اجتماعي في حلّ أزمة مالية ومصرفية؟ وهل يتوافق هذا الحل مع أحكام الدستور، الذي ينصّ صراحة على أنّ لبنان يعتمد الاقتصاد الحر، وأنّ الملكية الفردية محمية وفقًا لأحكامه؟

أين هي المبادئ القانونية التي ترعى مثل هذه الحالات، وأهمّها قواعد الإفلاس؟ ففي حالات الإفلاس، يتم إحصاء موجودات المفلس المتبقية لتحديد المبلغ الذي سيوزَّع على الدائنين، ويحصل كلّ دائن على حصة من هذا المبلغ بنسبة حقوقه ومقدار دينه.

ومن البديهي القول إنّ المشرّع اللبناني لم يقم بدوره في هذا المجال، وترك لمصرف لبنان الحرية الكاملة، ما أدّى إلى تعسّف المصارف في تعاملها مع زبائنها، وفرض رسوم لا يقبلها عقل ولا منطق. وبهذا التصرّف، تكون المصارف قد قطعت الغصن الذي تجلس عليه وسقطت على الأرض، ولا نعتقد أنّها ستتمكّن من النهوض مجددًا واستعادة ثقة زبائنها.

وفي هذا الصدد، نشير إلى أنّ بعض المصارف تقتطع من السحوبات التي يجريها المودع بطريقة تعسّفية وغير قانونية، وتفرض عليه عمولات مرتفعة عن كلّ حساب مفتوح لديها، في حين أنّها لا تقدّم له أي خدمة، بل تحتجز أمواله خلافًا للدستور والقانون.

وتستمر هذه المصارف في ممارساتها غير القانونية من دون أي محاسبة، لا من مصرف لبنان ولا من لجنة الرقابة على المصارف.

في علم الأعمال والتجارة، يُعتبر عنصر الزبائن من أهم عناصر المؤسسة التجارية، ويتم تقييمه ماليًا عند بيعها. غير أنّ هذا المفهوم غاب عن ذهن ورؤية المصارف، التي ما زالت تتعسّف في اختراع الرسوم والمصاريف التي تفرضها على زبائنها، وكأنّها غير معنية بمعاناتهم في حياتهم اليومية، وتحرمهم من أموالهم التي جمعوها بعرق جبينهم، وأودعوها في المصارف ليعيشوا منها خلال فترة تقاعدهم.

أخيرًا، أين العدالة عندما يُفرض على العميل، من جهة، سحب الدولار من حسابه بسعر صرف يبلغ 15,000 ليرة لبنانية، ومن جهة أخرى، دفع مصاريفه ورسومه وضرائبه على أساس سعر صرف يبلغ 89,500 ليرة للدولار الأميركي؟

مقالات الكاتب

المحامي بول السخن

ناشط قانوني في ملف الأزمة المصرفية في لبنان.