تتزايد في الأوساط الإسرائيلية، على جانبَي الطيف السياسي، الأصوات المؤيدة لفكرة “الدولة الواحدة” التي تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين ضمن كيان سياسي موحّد — وإن كان لكلّ طرف تصوّر مختلف جذرياً عمّا ستكون عليه طبيعة تلك الدولة.
عاد النقاش حول “حلّ الدولة الواحدة” إلى الواجهة بعد صدور كتاب جديد شارك في تأليفه روبرت مالي، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارات ديمقراطية أميركية، وحسين آغا، المفاوض الفلسطيني المخضرم في محادثات السلام.
يرى المؤلفان أن المشروع القائم منذ اتفاق أوسلو عام 1993 على إنشاء دولتين — إسرائيل وفلسطين — لم يعد واقعياً بسبب سياسة الاستيطان الإسرائيلية، معتبرين أن “عصر عملية السلام وحلّ الدولتين قد انتهى”، كما جاء في كتابهما “الغد هو الأمس: الحياة والموت والسعي إلى السلام في إسرائيل/فلسطين”.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 22% من الفلسطينيين يؤيدون فكرة الدولة الواحدة، مقابل أقل من 10% من اليهود الإسرائيليين. ومع ذلك، فإن هذا التوجّه لا يقتصر على المنتقدين لإسرائيل؛ إذ إن عدداً من الشخصيات الإسرائيلية البارزة، من اليمين واليسار على السواء، باتت تميل إلى هذا الخيار، رغم اختلاف الرؤى جذرياً حول شكل الدولة المنشودة.
يقول أبراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست وأحد رموز حزب “العمل” سابقاً، في حديث لمجلة “Jerusalem Report”: “حياة المجتمعَين الوطنيّين باتت متشابكة إلى حدٍ يصعب معه فصل أحدهما عن الآخر”. ويضيف: “النقاش الحقيقي الدائر في إسرائيل اليوم لم يعد بين خيار الدولة الواحدة أو الدولتين، بل حول نوع الدولة الواحدة التي قد تنشأ في النهاية”.
ويرى بورغ أن ضمان المساواة الكاملة وحقوق الإنسان والحريات المدنية لجميع من يعيشون “بين النهر والبحر” — سواء في دولة واحدة أو في اتحاد كونفدرالي يجمع الجماعتين الوطنيّتين على نحوٍ مشابه للنظام الفدرالي في الولايات المتحدة أو حتى للمملكة المتحدة — هو السبيل الأنجع لتحقيق سلام وأمن مستدامين لكلّ من الإسرائيليين والفلسطينيين.
غير قابل للحياة
في المقابل، يرى آخرون أن فكرة الدولة الواحدة غير واقعية، لأنها عاجزة عن معالجة مسألة الهوية الوطنية لكلّ من الطرفين. في هذا السياق، يقول ديفيد ماكوفسكي، رئيس التحرير التنفيذي السابق لصحيفة “جيروزالم بوست” والمدير الحالي لـ”مشروع كورِت للعلاقات العربية – الإسرائيلية” في “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”: “فكرة الدولة الإسرائيلية – الفلسطينية الثنائية القومية لن تنجح في الشرق الأوسط، إذ هو منطقة تفتقر إلى التقاليد الديمقراطية. هل يُعقل أن يكون نموذج العراق وسوريا ولبنان وليبيا هو ما نريد أن نصفه كخطة لمستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين؟”.
في المقابل، تذهب بعض الأصوات الإسرائيلية البارزة من التيار اليميني إلى تأييد فكرة “حلّ الدولة الواحدة”، لكن وفق شروط صارمة تحدّ من حقوق الفلسطينيين.
وقد جاء في بيان على موقع منظمة “دولة يهودية واحدة/ One Jewish State”: “يتعيّن على إسرائيل أن تبسط سيادتها الكاملة على وطنها التوراتي التاريخي لتضمن السلام والازدهار والكرامة لجميع سكانها”. والحال أن هذه المنظمة غير الربحية، التي تدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، أسّسها ديفيد فريدمان، أول سفير للولايات المتحدة في إسرائيل في عهد الرئيس دونالد ترامب.
يقول فريدمان إن الفلسطينيين المقيمين في هذه المناطق سيُمنحون إقامة دائمة في دولة إسرائيل، إضافة إلى وثائق سفر إسرائيلية تتيح لهم حرية التنقل داخل إسرائيل وخارجها. “لكنهم لن يتمتعوا بحقّ التصويت في الانتخابات الوطنية الإسرائيلية، على غرار وضع سكان بورتو ريكو في الولايات المتحدة”.
من جهته، لطالما دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إلى ضمّ الضفة الغربية دون منح الفلسطينيين المقيمين فيها الجنسية أو حقّ التصويت. ومع إطالة أمد الحرب في غزة، تحوّل سموتريتش إلى أحد أبرز الداعين إلى ضمّ القطاع نفسه، بل إنه طرح فكرة نقل سكانه الفلسطينيين إلى خارج الأراضي المحتلة كلياً.
قال سموتريتش في عام 2015: “إذا كان عليّ أن أختار بين أن تكون الدولة ديمقراطية أو يهودية، فلا شكّ لدي في خياري. فهناك نماذج في العالم لأنظمة ديمقراطية لا تمنح الجنسية لجميع المقيمين”.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، ردّاً على توجّه فرنسا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الديمقراطية للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، دعا سموتريتش ورئيس مجلس “يشع” (الذي يضم مستوطنات الضفة)، إسرائيل غانتس، إلى ضمّ 82% من أراضي الضفة الغربية فوراً وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها لمنع قيام دولة فلسطينية مستقبلية.
ولفتا في بيان مشترك: “لا يمكننا السماح بوجود تهديد وجودي بيننا، وبعد عقود من التردّد حان الوقت لقول الأمور بوضوح والتصرّف على هذا الأساس”.
حلٌّ تاريخي
تعود فكرة إقامة دولة ديمقراطية واحدة تجمع العرب واليهود في أرض فلسطين إلى عشرينيات القرن الماضي، حين طرحتها حركة “بريت شالوم”، بقيادة يهوذا ماغنيس ومارتن بوبر. غير أن هذه المبادرة قوبلت بالرفض من الطرفين — الصهاينة والفلسطينيين — لأنها لم تُلبِّ تطلعات أيٍّ منهما القومية.
وفي عام 1971، أعاد المجلس الوطني الفلسطيني، وهو الهيئة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إحياء الفكرة ذاتها حين تبنّى مبدأ إقامة “دولة ديمقراطية علمانية” على كامل أراضي فلسطين التاريخية، أي ما أصبح لاحقاً إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة. لكن سياسة المنظمة تطورت لاحقاً باتجاه القبول بحلّ الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع إلى جانب إسرائيل.
وفي عام 1999، عندما انهارت الحكومة الأولى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب فشل مفاوضات واي ريفر للسلام، أعلن المفكر الفلسطيني وأستاذ جامعة كولومبيا وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، إدوارد سعيد، الذي طالما شكّك في جدوى خيار الدولتين، وفاة هذا المشروع.
وكتب سعيد في مقال شهير نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز” آنذاك: “لقد حان الوقت لنتساءل ما إذا كانت العملية التي بدأت في أوسلو عام 1993 هي الأداة الصحيحة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. إن رأيي هو أن عملية السلام أجّلت فعلياً المصالحة الحقيقية التي لا بدّ أن تحدث إذا أُريد لحرب المئة عام بين الصهيونية والشعب الفلسطيني أن تنتهي. لقد مهّدت أوسلو الطريق للفصل، لكن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار دولة ثنائية القومية إسرائيلية – فلسطينية”.
خيار الدولتين
ورغم تزايُد عدد الكتب والمقالات التي تتبنى أطروحات سعيد وتُعيد طرح فكرة الدولة الواحدة، إلا أنّ العديد من المدافعين البارزين عن السلام – من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني – لا يزالون يعتبرون أنّ حلّ الدولتين هو الخيار الواقعي الوحيد.
في عام 2021، قال النائب أيمن عودة، رئيس حزب “حداش”، في حديث لمجلة “+972” الإلكترونية: “أعتقد أنه لا يوجد حل سوى حل الدولتين، لا غير؛ دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967 إلى جانب إسرائيل. فوفقًا لكل الاستطلاعات، من عام 2000 حتى اليوم، يدعم نحو 50% من السكان هذا الحل، والجميع يعرف تقريباً أين تمرّ الحدود. هذا هو الخيار الصحيح، لا أن نقفز مباشرة نحو الدولة الواحدة”.
وفي شباط/فبراير 2025، أسّس الناشط الإسرائيلي اليساري البارز، غِرشون باسكين، الذي لعب دوراً في التواصل مع حركة “حماس” لإتمام صفقات تبادُل أسرى، تحالفاً من أجل الدولتين مع الناشط الفلسطيني سامر سنجلّاوي، رغم استمرار الحرب في غزة وتساقُط الصواريخ من اليمن وإيران.
وقال باسكين: “الاعتراف بدولة فلسطين ليس مكافأة على إرهاب “حماس” وجرائمها؛ بل هو في الحقيقة هدية لإسرائيل، لأنه يحدد بوضوح الطريق نحو إنهاء هذا الصراع”.
البحث عن نظام جديد للسلام
وفي سياق مماثل، صرّح المفكر والسياسي الإسرائيلي، أفنيري بورغ، لـ”Jerusalem Report”، قائلاً إنّ البحث عن السلام يتطلّب تغييراً جذرياً في المنظومة الفكرية والسياسية القائمة: “اليهود الأميركيون لا يمتلكون قنابل ولا سلاح جو ولا حتى نتنياهو، ومع ذلك فهُم أكثر أمناً من الإسرائيليين. إسرائيل التي أُنشئت لحماية اليهود، باتت اليوم أخطر مكان في العالم عليهم. هناك خلل في النظام. علينا أن نستبدل نظام التشغيل بالكامل”.
المصدر: جيروزالم بوست

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
