الخلاف بين رجال الدين والسياسة… أصل ضياع السيادة اللبنانية

تحمل السياسة اللبنانية في جوهرها سِمَة “إضاعة الفرص” وتفويض القرار الوطني للغير. فالمنظومة السياسية القائمة منذ عام 1975 فرّقت بين مفهوم الوطنية الصافية وبين الالتزام بالتطبيق الفعلي للقواعد الدستورية. إنّ هذا النظام القائم، خلافًا للأطر الديمقراطية السليمة، يُميّز في تفاصيله اليومية بين قانون وآخر، وطائفة ومذهب وآخر، ومنطقة وأخرى. وبحسب الدستور، كان من المفترض أن تكون المنظومة السياسية والاجتماعية جامعةً للبنانيين جميعًا تحت سقف القانون، من دون أي التباس، وأن تفرض على السياسيين، باسم الدستور والقوانين والمعاهدات وشرعة حقوق الإنسان، السعي إلى تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمالي والاجتماعي والإنساني.

في مرحلةٍ بالغة الحساسية، تُرسم فيها ملامح أنظمة سياسية جديدة قائمة على توازن المصالح وعلى احترام حدود الدول ضمن الممكن، تبرز في لبنان صورٌ مقلقة تتناقلها مراكز الأبحاث، ومنها مركزنا البحثي PEAC، حول الخلافات المتصاعدة بين رجال السياسة ورجال الدين، مسيحيين ومسلمين، الذين يغفلون عمّا يجري على الساحتين الإقليمية والدولية. فبينما تنشغل القوى الكبرى بإعادة رسم خرائط النفوذ، يغيب عن هؤلاء البحث الجاد في حلول علمية رصينة لمعضلة السيادة، وفي مقدّمها السيادة اللبنانية التي فُقدت عذريتها على أيدي ساسة أمر واقعٍ تاجروا بها، وحوّلوها إلى سلعةٍ في سوق الدعارة السياسية بلا خجلٍ أو وجل.

لقد تحوّلت قضية السيادة الوطنية مع هذا النظام السياسي العليل إلى قضية بنيوية تمسّ الوطن والشعب والمحيطين الإقليمي والدولي، وتضرب الأمن الوطني في جوهره. ولم تعد مسألةً هامشية يمكن معالجتها بقراراتٍ عشوائية أو ارتجالية يتخذها رجال سياسةٍ في ظلّ صمتٍ مريبٍ ومقصود من رجال الدين.

وبات من الواضح أنّ النظام السياسي المتوارث أصبح عبئًا ثقيلًا على كاهل المواطن اللبناني وعلى بيئته العربية والدولية، حتى غدا يهدّد بمأساةٍ جديدة عاش اللبنانيون فصولها تحت شعاراتٍ زائفة مثل: «الجيش والشعب والمقاومة»، «دعم النظام السوري»، «محاربة الإرهاب»، و«حرب الإسناد». شعاراتٌ فتكَت بالسيادة الوطنية، وصاغها مسؤولون لبنانيون خالفوا نصّ الدستور القائل إنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.

إنّ النظام السياسي القائم اليوم، بمكوّناته الميليشياوية والمسلّحة، نظامٌ فوضويٌّ فاسد لا يؤمن بتداول السلطة، ولا يحترم القوانين، بل يستمدّ قوّته من السلاح والارتباطات الخارجية. وهو نظامٌ عاقٌّ جرّ البلاد إلى حروبٍ مدمّرة أنهكت اللبنانيين، وقضت ممارساته وممارسات أسلافه على السيادة الوطنية، فجيّرها إلى الغريب، وترك المواطن اللبناني يدفع الثمن باهظًا من دون جرمٍ اقترفه.

المؤسف أنّ العالم كلّه شعر بعمق الأزمة اللبنانية ومعاناة الشعب، فيما بقي المسؤولون اللبنانيون، المدنيون والروحيون، غارقين في إنكارهم غير آبهين بما اقترفوه. لقد أثبتت التجارب، واحدةً تلو الأخرى، أنّ النظام السياسي في لبنان متخصص في إضاعة الفرص. فخلال عقودٍ من الأزمات والحروب، كان أبرزها الحرب الإسرائيلية على الجنوب والبقاع وبيروت ضدّ ميليشيا حزب الله، اختُبرت السيادة اللبنانية في ميادين العمالة والدم والنار. ومن رحم هذه التجارب المريرة، توصّل الباحثون والناشطون الوطنيون إلى خلاصةٍ واضحة: لا بديل عن الشرعية الدستورية، الديمقراطية، والقانونية التي تُشكّل الأساس الحقيقي للحقوق والحريات السياسية، الأمنية، الاقتصادية، المالية، الاجتماعية، الإنسانية، والسيادية. ولا بديل عن دولةٍ ذات سيادةٍ تامةٍ وعادلةٍ تقوم مؤسساتها على قواعد راسخة من سيادة القانون.

إنّ المطلوب اليوم هو «لبننة السيادة الوطنية»، لا عبر الميليشيات أو السلاح غير الشرعي أو الولاءات الخارجية، بل عبر إقامة نظامٍ سياسيٍّ قائمٍ على الحوار الديمقراطي والفكر التحليلي العميق القادر على إنتاج حلولٍ موضوعية وواقعية لقضاياه الشائكة، وفي مقدّمها السيادة المجيّرة للغريب التي باتت تهدّد السلم الأهلي والإقليمي والدولي.

لا خيار أمام الكتّاب والباحثين والناشطين ورجال الفكر، مدنيين وروحيين، سوى السعي إلى دولةٍ ذات سيادةٍ تامة وناجزة. فلا مجال بعد اليوم للتعاطي مع نظامٍ سياسيٍّ موروثٍ أضاع ما يكفي من الفرص. وبما أنّ الخيار الوحيد المتاح هو السيادة اللبنانية الوطنية الكاملة، فإنّ الواجب الوطني والأخلاقي يفرض بذل أقصى الجهود للحفاظ عليها، وتحقيق أقصى حضورٍ للبنان في الداخل والإقليم والعالم. ففي دولةٍ سيّدةٍ مستقلةٍ تتحرّر من قبضة نظامٍ أضاع السيادة ومقوّماتها، تتحقّق فعلاً الحقوق والحريات، ويُستعاد جوهر الكرامة الوطنية التي طال انتظارها.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC