في جو عابق بالعلم القانوني والمواكب لتطورات العصر، ناقشت المحامية الدكتور ساندي الجمال الأطروحة التي أعدّتها وناقشتها في الجامعة اللبنانية في سن الفيل، حول قانون التحكيم الدولي. حيث تناولت نظرية رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية في التحكيم الدولي.
تألفت اللجنة من الدكاترة: علي رحال رئيساً، وعضوية أنطونيوس أبو كسم وجيلبير سليمان وماري لين كرم وريما فرج. ونالت درجة جيد جداً مع التوصية بنشر الأطروحة نظراً لأهمية مضمونها.
تتناول الأطروحة للدكتوراه نظرية رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية في التحكيم الدولي، مع تركيز خاص على علاقات الشركة الأم بالشركات التابعة، ودور المساهمين المسيطرين، والبنية القانونية لمجموعات الشركات. وتُبيّن الدراسة أن رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية يُعدّ آلية استثنائية ومعقّدة وشديدة التقييد في التحكيم الدولي، لما يثيره من إشكاليات فقهية وعملية وإشكالات متصلة بتنازع القوانين. وتحدّد الأطروحة إشكاليتين قانونيتين أساسيتين ناجمتين عن تطبيق هذه النظرية.
تتمثل الإشكالية القانونية الأولى في تحديد القانون الواجب التطبيق على مسألة رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية في التحكيم. فقد خضع هذا الموضوع تقليدياً لقاعدة تنازع القوانين المعروفة بقانون دولة التأسيس. وتُظهر الأطروحة أن هذا النهج الصارم لا يتلاءم مع طبيعة التحكيم الدولي، ولا سيما في سياق المعاملات التجارية العابرة للحدود، وتعدد الأطراف، ومجموعات الشركات، والاستثمارات الدولية.
ومن خلال دراسة حالات تنازع القوانين، تخلص الأطروحة إلى أن الاعتماد الحصري على قانون التأسيس يؤدي إلى نتائج مصطنعة، ويشجّع على الانتقاء القضائي treaty shopping، ويُكرّس التشرذم القانوني. وبناءً عليه، توصي الأطروحة باعتماد إطار قانوني عابر للحدود ذي طبيعة هجينة لمعالجة مسألة رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية، يقوم على الـ Lex Mercatoria مكمّلة بقانون مقر التحكيم (Lex Arbitri)، ومفسَّرة في ضوء الاجتهاد التحكيمي المقارن، باعتباره الحل الأنسب لتحديد القانون الواجب التطبيق في التحكيم الدولي ذي الطابع متعدد الأطراف.
أما الإشكالية القانونية الثانية فتتمثل في كون رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية يُعدّ تحدياً لأسطورة الرضا التقليدي، إذ يؤدي إلى امتداد اتفاق التحكيم إلى أطراف غير موقّعة عليه، بما يشكّل مساساً بمبدأ نسبية العقود. وتُظهر الأطروحة أن التحكيم الدولي المعاصر يشهد تحوّلاً جوهرياً من مفهوم الرضا الشكلي الجامد إلى مقاربة وظيفية قائمة على حسن النية.
ويتجلى هذا التحول في التشريعات المقارنة، ولا سيما في القانون السويسري، وكذلك في ممارسات كبرى المؤسسات التحكيمية، مثل غرفة التجارة الدولية (ICC)، ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL)، والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، حيث يُقدَّم الواقع الاقتصادي، والسيطرة الفعلية، والتوقعات المشروعة للأطراف على الصياغة الشكلية الصارمة. كما ينعكس هذا التوجه الحديث في تفسير اتفاقية نيويورك، التي اعتمدت فهماً مرناً لمتطلبات الشكل وصحة الرضا في التحكيم الدولي الحديث.
وقد اعتمدت الأطروحة منهجية فقهية ومقارنة، شملت دراسة أنظمة القانون المدني، ولا سيما في فرنسا وألمانيا ولبنان، إلى جانب أنظمة القانون الأنغلوسكسوني في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتعزّزت هذه الدراسة من خلال تحليل موسّع للممارسة التحكيمية التجارية والاستثمارية، حيث استندت هيئات التحكيم إلى عدة نظريات لرفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية، من بينها نظرية مجموعة الشركات، ونظرية الأنا البديلة (Alter Ego)، والشركات الصورية، ونظرية الأداة (Instrumentality) وغيرها، غالباً بصورة براغماتية وغير متجانسة.
كما تناولت الأطروحة العلاقة بين رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية والنظام العام الدولي، ولا سيما أثره على الاعتراف بأحكام التحكيم وتنفيذها، مع إيلاء اهتمام خاص بحالات المؤسسات المملوكة للدولة وتدخل الدولة، وما تثيره من إشكاليات تتعلق بالحصانة السيادية ومسؤولية الدولة.
وتخلص الأطروحة إلى أن غياب إطار قانوني موحّد يؤدي إلى تقويض اليقين القانوني، وقابلية التنبؤ، ومشروعية التحكيم الدولي. وبناءً عليه، توصي باعتماد مقاربة منسّقة ومتناغمة تستند إلى معايير قانونية عالمية، وعلى رأسها حسن النية، وحظر إساءة استعمال الحق، ومكافحة الغش. كما تدعو إلى إصدار أدوات قانونية لينة (Soft Law) وتوجيهات مؤسسية تُسهم في بلورة اجتهاد تحكيمي متماسك، فضلاً عن اقتراح تطوير اتفاقية دولية مستقبلية تُعنى بتنظيم مسألة رفع الغطاء القانوني عن الشخصية المعنوية في التحكيم الدولي، واعتماد معايير واضحة ومتسقة تستند إليها هيئات التحكيم في اتخاذ قراراتها، بما يضمن قابلية التوقع، والانضباط، واحترام إرادة الأطراف.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
