باشر أمس المفتشون الجدد في إدارة التفتيش المركزي أعمالهم صباحاً، وتسلّموا مهامهم وكأن الأمور قانونية وطبيعية، في وقت لا يمكن تجاهل السؤال التالي: لماذا لم يقوموا بحلف اليمين أمام هيئة التفتيش المركزي، كما يجري عادة عند تعيين مفتشين جدد؟ وأين المرسوم الذي جرى تصحيحه وفق ملاحظات مجلس الخدمة المدنية؟
بحسب المعطيات القانونية، فإن مشروع مرسوم نقل وتعيين نحو عشرين مفتشاً في التفتيش المركزي لم يُعرض أصلاً على هيئة التفتيش لأخذ موافقتها على نقل موظفين إلى ملاك التفتيش، وذلك قبل إحالة المرسوم إلى مجلس الخدمة المدنية وعرضه على مجلس الوزراء. كما أنّه لم يُطلب من التفتيش المركزي تزويد الجهات المعنية بملفات هؤلاء المنقولين للتدقيق في أوضاعهم، رغم ما يُقال عن وجود ملفات عالقة بحق بعضهم لدى التفتيش نفسه. فكيف يمكن لموظف تُثار حوله شبهات أو تكون له ملفات رقابية أن يُنصَّب مفتشاً على غيره؟
بمعنى أوضح، فإن المرسوم المذكور خالف الأصول الإدارية والجوهرية التي تفرض عرضه على هيئة التفتيش المركزي لأخذ موافقتها عليه، وفق ما تنص عليه المادة 11 من المرسوم الاشتراعي رقم 115/59 (إنشاء التفتيش المركزي). ويشير هذا المسار إلى تغييب الهيئة ودورها والتعامل معها وكأنها غير موجودة. فعلى أي أساس يتم تعزيز الهيئة، فيما يُصار في الوقت نفسه إلى تقويضها والحد من صلاحياتها خلافاً للقانون؟
إن هذا المرسوم باطل وقابل للطعن أمام مجلس شورى الدولة، ويعود لكل ذي مصلحة حق الطعن به للأسباب المذكورة. فهل يُعقل أن يُمرَّر مرسوم يتعلق بجهاز رقابي وهو مخالف بشكل فاضح؟ وأين أعضاء الهيئة، ولماذا لم يحركوا ساكناً؟ نضع هذه الأسئلة برسم هيئة التفتيش المركزي أولاً، والجهات القانونية ثانياً، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بهذا الخصوص.
اليوم، تقف هيئة التفتيش المركزي أمام امتحان وجودي: إما أن تكون سلطة رقابية فعلية، أو مجرد شعار وهمي تضليلي. والمواطن لم يعد يحتمل المخالفات الفاضحة والوقحة، وآخرها تعيين مفتشين مخالفين.
كما أن مجلس الخدمة المدنية مطالب بدوره بأن يشرح للرأي العام كيف استقبل مشروع مرسوم ناقصاً ومخالفاً للأصول، وتعامل معه وكأنه إجراء طبيعي. كما أن رئاسة الجمهورية مطالَبة بأن تفسّر كيف تُوقَّع مراسيم تضرب صلب الهيئات الرقابية، وتتناقض مع أبسط قواعد الشرعية الإدارية. وعلى مجلس الوزراء أن يبرّر كيف تحوّل من سلطة تنفيذ إلى سلطة تمرير.
إذا كان ثمة من يعتقد أن المواطن اللبناني لم يعد يميّز بين القانون والصفقات، فهو واهم. فالفضيحة لم تعد محصورة في مرسوم واحد، بل اتسعت لتشمل كل مؤسسة وافقت، ووقّعت، ومرّرت، وتغاضت. والتاريخ لن يرحم سلطة ارتضت أن تكون شريكاً في تقويض ما تبقّى من دولة، وفي إفراغ الأجهزة الرقابية من مضمونها، في لحظة كان يفترض أن تكون فيها خط الدفاع الأول عن الإدارة والمال العام.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
