كيف تحوّلت ثغرة في اتفاقيات وقف إطلاق النار إلى غطاء لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

في قلب الجدل السياسي الدائر حول مسار المفاوضات وطبيعة التفاهمات التي أُبرمت، يبرز عنصر قانوني–سياسي بالغ الحساسية والخطورة، غالباً ما يُهمَّش في النقاش العام، يتمثّل في الصياغة المعتمدة لـ«حق الدفاع عن النفس» في اتفاقيتي وقف إطلاق النار لعامَي 2024 و2026.

هذه الصياغة، التي قد تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحايدة أو حتى دبلوماسية، تحوّلت عملياً إلى ثغرة بنيوية أُسيء توظيفها، بحيث استُخدمت كأداة لتبرير استمرار الاعتداءات بدل أن تكون إطاراً قانونياً لوقفها.

اتفاق 2024 — توازن نظري وثغرة بنيوية

الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 منح، في ظاهره، كلاً من لبنان و«إسرائيل» «حق الرد والدفاع عن النفس». ورغم ما توحي به هذه الصياغة من توازن شكلي، فإنها تنطوي على خلل جوهري يتمثّل في عدم تقييد هذا الحق بشرط الانسحاب من الأراضي المحتلة.

بعبارة أدق، لم يتضمّن الاتفاق نصاً صريحاً يربط مشروعية ادّعاء «الدفاع عن النفس» بإنهاء حالة الاحتلال، ما يعني أن «إسرائيل» بقيت قادرة، من الناحية التفسيرية، على الادّعاء بأنها تمارس هذا الحق رغم استمرار وجودها العسكري داخل أراضٍ لبنانية.

وهنا تتجلّى الثغرة بوضوح: إذ جرى توظيف هذا الغموض لتكريس منطق مقلوب، تعتبر فيه «إسرائيل» أن وجودها العسكري لا يتعارض مع حقها في «الدفاع عن النفس»، بل يُستخدم ذريعة لتفعيله.

اتفاق 2026 — من الغموض إلى إعادة ترجيح الشرعية

إذا كان اتفاق 2024 قد أوقع نفسه في إشكالية الغموض، فإن اتفاق 2026، وفق ما يتم تداوله، انتقل إلى مستوى أكثر خطورة، عبر تكريس أوضح لحق «الدفاع عن النفس» لمصلحة «إسرائيل»، من دون تثبيت موازٍ لحق لبنان، ومن دون إدراج أي رابط قانوني واضح بين هذا الحق وضرورة إنهاء الاحتلال.

هذا التحوّل يعكس إعادة صياغة ضمنية لميزان الشرعية:

  • في عام 2024: مساواة نظرية ملتبسة ومفتوحة على التأويل.
  • في عام 2026: ترجيح فعلي يميل لمصلحة «إسرائيل» في تفسير الحق وتطبيقه.

توظيف الثغرة على الأرض

لم تبقَ هذه الإشكالية في إطارها النظري، بل انعكست مباشرة على الواقع الميداني، حيث تمثّلت نتائجها في:

  • استمرار الضربات والاعتداءات الإسرائيلية،
  • تقديم هذه العمليات تحت مظلة «الدفاع عن النفس»،
  • تجاهل البعد الجوهري المتمثّل في أن الاحتلال بحد ذاته يشكّل فعلاً عدوانياً مستمراً.

ذلك أن القانون الدولي، في أصوله العامة، لا يجيز لقوة محتلة أن تحتجّ بـ«الدفاع عن النفس» داخل الإقليم الذي تحتله ضد السكان أو القوى الموجودة فيه، لأن وجودها ذاته يفتقر إلى الشرعية القانونية.

غير أن غياب النص الصريح الذي يكرّس هذا المبدأ ضمن الاتفاقين أفسح المجال أمام تأويل معاكس، أُضفيت عليه صبغة قانونية شكلية.

أزمة تفاوض أم خلل في الصياغة؟

لا يمكن حصر الإشكالية في مستوى الخلاف السياسي أو تضارب السرديات بين الأطراف، بل إن جوهر المشكلة يكمن في مستوى أعمق، يتصل ببنية الصياغة القانونية نفسها، ويتجلّى في:

  • ضعف الإحكام القانوني للنصوص،
  • غياب الدقة في تحديد الشروط والقيود الناظمة،
  • عدم الاستفادة من السوابق الدولية في صياغة اتفاقيات مماثلة.

فالقاعدة المستقرة في القانون الدولي تفيد بأن الاتفاقيات لا تُقاس بنيّات أطرافها، بل بمدى دقة نصوصها وقابليتها للتأويل. وفي هذا السياق، قد تفتح عبارة غير منضبطة باباً واسعاً لإعادة تفسير الاتفاق، وهو ما حصل عملياً.

ما الذي كان ينبغي تضمينه؟

لتفادي هذا الخلل البنيوي، كان يفترض أن يتضمّن الاتفاق إطاراً قانونياً أكثر صرامة ووضوحاً، من خلال بنود أساسية، منها على سبيل المثال:

  • ربط ممارسة «حق الدفاع عن النفس» صراحةً بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة،
  • التأكيد القانوني على أن وجود أي قوة عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يُعد بحد ذاته عملاً عدوانياً،
  • حظر استخدام هذا الحق في سياق الاحتلال أو ضمن مناطق النزاع غير المحسومة.

إن غياب هذه الضوابط حوّل الاتفاقين من نصوص قانونية مُحكمة إلى تفاهمات سياسية فضفاضة، قابلة لإعادة التفسير وفق موازين القوى.

انطلاقًا مما تقدّم، يتبيّن أن الجدل القائم اليوم حول تفاصيل التنسيق أو المسؤوليات السياسية، على أهميته، لا يمسّ جوهر الإشكالية. فالعنصر الحاسم يكمن في أن الثغرة القانونية في اتفاقيتي 2024 و2026 أتاحت لـ«إسرائيل» توظيف نصوص وقف إطلاق النار كغطاء قانوني لاستمرار عملياتها، بدل أن تشكّل أداة لوقفها.

وإذا استمرّ التعامل اللبناني مع مثل هذه الاتفاقيات بعقلية سياسية عامة، من دون تدقيق قانوني صارم يواكب مراحل التفاوض والصياغة، فإن أي اتفاق مستقبلي قد يحمل في طياته اختلالات أكثر عمقاً، وتداعيات أعلى كلفة على المستويين السيادي والميداني.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.