هل ستزول «إسرائيل» قبل عام 2028، فيرتاح لبنان من زمن الحروب والقتل والدمار؟ وهل سننعم، خلال سنوات، بعهدٍ من السلام والأمن بعد عصرٍ طويل من القتل والعدوان الممتد منذ عام 1948؟
برز، منذ سنوات، في الأدب السياسي والإعلام، تداولُ مصطلحٍ ما سُمّي بـ«لعنة الثمانين»، للدلالة على أن كيان الدولة الإسرائيلية الراهنة سيتعرّض للتفكك أو الزوال، كما زالت قبله نماذج من كيانات يهودية سابقة في التاريخ خلال العقد الثامن من عمرها.
ولفحص هذه «اللعنة» ومدى صحتها ودقتها، توجّه موقع «بيروت 2030» إلى كلٍّ من المستشار التربوي والباحث الأكاديمي الشيخ الدكتور علي أيوب، والأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني، والباحث الكاتب المتخصص في الشؤون الإسرائيلية وجدي المصري، بالسؤال، فكانت أجوبتهم على النحو الآتي:
أيوب: لا أصل شرعياً لـ«اللعنة» في القرآن
رأى المستشار التربوي والباحث الأكاديمي الشيخ الدكتور علي أيوب أن حقيقة ما يُسمّى بـ«لعنة الثمانين» في النصوص الشرعية، وبعد تتبّع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، لا أثر لها مرتبطاً ببني «إسرائيل» أو بغيرهم. وهذا المصطلح لا أصل له في الكتاب ولا في السنة النبوية، ولم يرد في كتب التفسير المعتمدة ولا في كلام أهل العلم الموثوقين.
فما ورد في القرآن عن بني «إسرائيل» واضحٌ ومحدّد، في مواضع منها: ذكرُ نقضهم للعهود، ووقوعهم في المعاصي، وابتلاؤهم بالعقوبات الإلهية بسبب عصيانهم. ومن الآيات الدالة قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ (سورة الإسراء، الآية 4). لكن لا نجد في أي موضع ربطاً بين هذه الأحداث وبين رقم (80) أو «لعنة» بهذا المعنى. وعليه، فهذا المصطلح مُحدَث لا سند له، ولا ينبغي نسبته إلى الدين.
واعتبر بعض الفقهاء أن الأعداد في القرآن تُفهَم في سياقها، ولا تُحمَّل دلالات رمزية غيبية دون دليل صحيح.
والقول بوجود «لعنة الثمانين» أو غيرها يُعَدّ تكلّفاً في التفسير وقولاً بغير علم، وقد حذّر الله تعالى من ذلك بقوله: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 33). ومنهج التفسير الصحيح قائم على النص واللغة وفهم الصحابة والتابعين، أما إدخال أفكار غريبة أو ربط الأرقام بنظريات غير منضبطة، فهو تأويل غير علمي أو انحراف في فهم النصوص.
ودعا الشيخ أيوب إلى اتباع المنهج الصحيح لتمكين الباحث أو القارئ من التحقق من صحة أي دعوى تفسيرية، وذلك بالرجوع إلى القرآن نفسه، وإلى السنة، وكتب التفسير المعتمدة، وفهم الآيات في سياقها القرآني، بحيث لا تُقتطع الآية من سياقها لإثبات فكرة مسبقة. كما شدد على ضرورة الحذر من التفسيرات المنتشرة بلا سند، لا سيما عبر وسائل التواصل، كالنظريات التي تُتداول دون تحقق.
ويخلص الدكتور أيوب إلى أن ما يُسمّى بـ«لعنة الثمانين» لا أصل له في القرآن ولا في السنة النبوية، وأن ربط الأعداد في القرآن بدلالات خفية دون دليل هو تكلّف مرفوض. فالقرآن كتاب هداية وبيان، لا كتاب ألغاز وأسرار عددية، ومن أراد الانتفاع به فعليه أن يسلك سبيل العلم الموثوق، لا طريق الظنون والتخمين.
روحانا: من «تحذير سياسي» إلى «رمزية حديثة»
يجيب الأب الدكتور ميشال روحانا بأنه لا يوجد في التوراة نصٌّ معروف يذكر مصطلح «لعنة الثمانين» حرفياً، كما لا يوجد في التفسير اليهودي أو المسيحي الكلاسيكي الشائع مبدأ قانوني أو عقدي ثابت يتضمّن أن الله أنزل «لعنة مدتها 80 سنة» على بني «إسرائيل».
ففي نصوص التوراة يظهر عدد (80) أحياناً، لكن ليس بوصفه «زمن لعنة». فمثلاً، يرد في مزمور 90:10 أن عمر الإنسان سبعون سنة، «وبالقوة ثمانون»، وهذا توصيف لعمرٍ بشري، لا نبوءة عن انهيار دولة أو لعنة زمنية. وفي سفر القضاة 3:30 ترد ثمانون سنة لا كلعنة، بل كفترة راحة للأرض بعد الخلاص من موآب؛ أي إن الرقم نفسه قد يأتي في النص بمعنى إيجابي.
ويضيف الأب روحانا أن النصوص التوراتية التي تتكلم فعلاً عن اللعنات والعقوبات الإلهية، كما في لاويين 26 والتثنية 28، ترد ضمن إطار العهد: فالطاعة تجلب البركة، ونقض العهد يجلب المرض والهزيمة والجوع والمنفى. إلا أن هذه الفصول لا تحدد «ثمانين سنة» كوحدة زمنية للعقاب.
أما في التفسير المسيحي، فلا يوجد ربط بمدد زمنية محددة، بل يُفهم الأمر ضمن توتر لاهوتي بين محبة الله وعدله: فالله يحب، ولذلك لا يساوي بين الخير والشر؛ وغضبه ليس نقيض محبته، بل تعبير عن قداسته وعدله في مواجهة الظلم والخطيئة.
و«لعنة الثمانين» هي تعبير حديث يستثمر بعض النصوص المتعلقة باللعنة والعقاب، ويخلطها بقراءة انتقائية لتاريخ الممالك اليهودية القديمة، ثم يحوّلها إلى رمز سياسي. أما النصوص الكتابية نفسها، فتتحدث عن لعنات العهد عموماً، وعن أزمنة أخرى للعقاب مثل (40) و(70)، لا عن «80» بوصفه توقيتاً مقدساً أو ملعوناً. وفي اللاهوت اليهودي والمسيحي، يُفهم العقاب الإلهي غالباً في إطار علاقة العهد والعدل والتوبة، لا بوصفه نقيضاً بسيطاً لمحبة الله.
ويتساءل روحانا عن مصدر فكرة «لعنة الثمانين»: من أين جاءت هذه الفكرة؟ ويجيب بأنها نشأت في الخطاب المعاصر من خلال قراءة انتقائية لتاريخ كيانين قديمين: المملكة المتحدة في زمن داود وسليمان، ثم انقسامها بعد سليمان؛ والدولة الحشمونية التي ربط بعض الكتّاب الحديثين انهيارها بصراعاتها الداخلية في «العقد الثامن». وتوجد كتابات يهودية/إسرائيلية حديثة تتحدث عن «لعنة العقد الثامن» بهذا المعنى، لا بوصفها نصاً توراتياً دينياً، بل باعتبارها تشبيهاً تاريخياً وتحذيراً سياسياً من الانقسام الداخلي. وتشير بعض الآراء الحديثة إلى أن مملكة داود وسليمان بقيت موحّدة نحو 80 سنة، وأن الحشمونيين فقدوا سيادتهم في عقدهم الثامن نتيجة الاقتتال الداخلي.
وهنا نصل إلى السؤال اللاهوتي الأعمق: «إذا كان الله محبة، فكيف يلعن أو يعاقب أو ينتقم؟». والجواب، في الفكر المسيحي الكلاسيكي، أن المحبة الإلهية ليست تساهلاً أخلاقياً؛ فالإله الذي يحب حقاً له موقف من الظلم والوثنية والعنف وسحق الضعيف. فالعدل ليس ضد المحبة، بل هو جزء منها.
ويخلص الباحث الأنطوني الدكتور ميشال روحانا إلى أنه، في ما يتعلق بالجذور القديمة أو الأسفار غير القانونية، لا يوجد دليل موثوق على تقليد أبكريفي (أبوكريفي) قديم معروف يتحدث عن «لعنة الثمانين» بوصفها فكرة مستقرة. غير أن الأدب اليهودي القديم، ولا سيما المكابي، يتضمن لغة تفسّر الكوارث بوصفها نتيجة لخطايا الأمة، حيث يُفهم الألم في سياق غضب إلهي وقع «بعدل» على الأمة، ولكن من دون ربطه بقاعدة الثمانين عاماً. لذلك، الأدق القول إن هذا المفهوم حديث أو شبه حديث، قائم على إعادة تركيب سياسي للتاريخ، لا على نص قانوني ديني قديم.
المصري: صراع الوجود بين ابن خلدون و«الوعد الإلهي»
رأى الباحث والكاتب وجدي المصري أن اليهود يُعَدّون من أكثر الشعوب تميّزاً بالباراديغمات، انطلاقاً من تفرّدهم بما ورد في كتابهم الديني (التوراة أو العهد القديم)، وما يتضمّنه من أفكار وأساليب سعت إلى إكسابهم هوية خاصة، مرتبطة بادعاء إله خاص، وتطوّرت حتى وقتنا المعاصر. وقد مكّنهم ذلك، إلى حدٍّ ما، من تحقيق التفوّق؛ غير أن بعضهم يسعى لتحقيق مصالح شخصية، في حين يسعى آخرون إلى التقدّم والعمل بجدّ واجتهاد.
وأضاف أن هذا ما جعلهم من بين الشعوب الأكثر تأثيراً في العالم، إذ تمكّنوا من تحقيق إنجازات علمية واقتصادية كبيرة. كما يكشف تاريخهم أنهم مرّوا بمراحل عديدة من الاضطهاد والتشرّد، إلا أنهم استطاعوا إعادة بناء أنفسهم من جديد، وهو ما يدلّ على قدرتهم على التكيّف والصمود.
ويستدرك المصري بأن لدى اليهود تنظيماً قوياً ساعدهم على تحقيق أهدافهم، إضافة إلى اعتمادهم على العلم والتخطيط. وبالتالي، يمكن القول إن نجاحهم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة جهد طويل وعمل متواصل.
ويعتبر أن مردّ «لعنة الثمانين» قد يكون مرتبطاً بتطبيق نظرية ابن خلدون حول عمر الدولة، أو بما يُعرف بنظرية «العقد الثامن» على دولة العدو الحالية («إسرائيل»)، إذ إن الدول تمرّ بمراحل مشابهة لتلك التي شهدتها تجارب دول سابقة. ويتأثر تحديد عمر الدولة بعوامل عدة، منها الظروف والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والتحديات الاقتصادية، وهي عوامل تُسهم في إضعاف الدولة وتجعلها عرضة للانهيار.
ويضيف الكاتب المصري أنه، في حالة «إسرائيل»، يبدو الموضوع مختلفاً إلى حدٍّ ما، لأن هذه الدولة قامت على أفكار دينية وتاريخية مرتبطة بفكرة «الوعد الإلهي»، التي تُفسَّر بطرق متعددة لخدمة مشروع قيام الدولة وتعزيزه.
ويخلص الباحث وجدي المصري إلى أن هناك من يربط الأحداث بنظريات معينة، إلا أنه يجب الحذر من التسرّع في تبنّي هذه التفسيرات من دون التحقق من صحتها، لأن التفسير ليس ثابتاً؛ فليس كل ما يُقال صحيحاً، ولا بد من التحقق من المصادر. ويُعدّ اعتماد التفكير النقدي الأساس في فهم مثل هذه القضايا، لأن غيابه يؤدي إلى انتشار المفاهيم الخاطئة.
ولا يمكن اعتبار كل تفسير حقيقة مطلقة، بل هو محاولة لفهم الواقع أو لإضفاء معنى على ما يحدث. والقاعدة الذهبية هي أن بعض الدول التي أهملت أراضيها أو شعوبها تراجعت، في حين أن الدول التي عملت على تنمية وعي شعوبها، وحمت أوطانها، ونهضت فكرياً، استطاعت تحقيق التقدّم.
خلاصة القول
إن «لعنة الثمانين» مصطلح سياسي بعباءة دينية، نشأ من رحم الأزمات الوجودية التي تعصف بالكيان الصهيوني من الداخل. وبينما تنفي المرجعيات الدينية وجود نص قطعي يحدد هذا التاريخ، يبقى الواقع الميداني والانقسام المجتمعي داخل «إسرائيل»، إلى جانب مواجهة مشروع الاحتلال والاستيطان ومقاومته، هي المؤشرات الحقيقية على مدى اقتراب زمن «الزوال» أو ابتعاده، وهو الزمن الذي يترقبه أهل الأرض المغتصبة والشعوب المضطهدة في المشرق العربي والعالم بفارغ الصبر.

ميراي برق
كاتبة وإعلامية.
