كيف يفهم الأطفال الموت… وكيف ندعمهم في مواجهة فقدان القريب؟

كيف نوفر آلية الأمان للطفل أو للطفل الفاقد، ونحاول شرح الموقف ونتائجه ببساطة وصدق؟

هل تخيّلت تأثير موتك على ابنك أو ابنتك؟ كيف ستحتوي أمّ الطفلة أو الطفل، أو أبوه، الموقف؟ ماذا سيقول له، ودموعه، لا دموع الكبير، تنهمر على وجهه قبل دموع الطفل الفاقد؟

وهل ستكون لديك الأجوبة الكافية والمقنعة على أسئلته كلّها، وهي أسئلة مفتوحة على كل احتمال، إذ إن مخيلة الطفل أو الطفلة حافلة بالابتكار، ولا حدود ولا خطوط حمراء عنده أو عندها؟

يا له من موقف قاصف للروح ومزعزع للنفس! هل تقول له إن الماما نامت كما تنام في سريرك؟ وما الحل لو قبل الطفل هذا الجواب وبنى عليه، ليفاجئك بسؤال أكثر إحراجًا: ومتى تفيق؟ هل ستنهض وتودّعني عندما أذهب إلى المدرسة، وتقبّلني على وجنتي؟

موقف متخيَّل واحد من مئات الأمثلة في حياة الطفل الفاقد، ونظرًا لحساسيته في ظروف الحرب والعدوان التي نواجهها، توجّهنا بالسؤال إلى اختصاصيتين مرموقتين لتنوير الأهل والبالغين بما يقوله علم النفس وعلم الاجتماع، ليكون في خدمة أهلنا. إذ يشكّل فقدان شخص عزيز تجربة إنسانية قاسية في أي عمر، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يمرّ بها الأطفال في مراحلهم الأولى. ففي المرحلة العمرية من ثلاث إلى سبع سنوات، لا يمتلك الطفل الأدوات المعرفية والعاطفية الكافية لفهم معنى الموت أو التعامل مع مشاعر الفقدان. لذلك، قد يظهر الحزن لديهم بطرق مختلفة عن الراشدين، وقد يترك آثارًا نفسية تحتاج إلى تعامل دقيق من قبل الأسرة والمحيط التربوي.

توضح الباحثة في علم النفس التربوي للأطفال والمراهقين، إيمان سليمان، في حديث لـ«بيروت 2030»، صعوبة شرح الفقدان للأطفال، لأنهم لا يفهمونه كما يفهمه الكبار، ولا يعبّرون عن حزنهم مثلهم. وركّزت على أهمية عدم تفسير الحالة بتفسيرات كاذبة قد تضع الطفل في أزمة، وربما تفقده الثقة والأمان بمن حوله، كما شدّدت على أهمية استمرار الروتين اليومي للطفل، لأنه مؤشر الأمان لديه.

بينما تشير الدكتورة في علم الاجتماع، وديعة الأميوني، في اتصال مع «بيروت 2030»، إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة، خصوصًا إذا حدث الفقدان فجأة أو في ظروف صعبة مثل الحروب أو الكوارث. فالطفل لا يمتلك الأدوات النفسية أو المعرفية الكافية لفهم معنى الموت، لذلك غالبًا ما يظهر عدم يقين تجاه المستقبل، ما قد ينعكس على علاقاته. وتشدد على أن وجود بالغين داعمين في حياة الطفل قد يخفف عنه، والأهم عدم اعتبار الفقدان حدثًا عابرًا يمكن تجاهله.

سليمان: التوصيل المبسّط والصدق

توضح سليمان أن التعامل مع موضوع الموت لدى الأطفال في هذا العمر يتطلب حساسية كبيرة وصدقًا في الحديث معهم. وتؤكد أن “الطفل لا يفهم الموت بالطريقة التي يفهمها الكبار، لأن مفهوم الفقدان النهائي ما زال غير واضح في ذهنه”.

وتشرح أن الطفل قد يختبر فكرة الاختفاء أو الموت بشكل بسيط في حياته اليومية، مثل موت حيوان أليف أو طائر أو حتى حشرة، لكنه يجد صعوبة في استيعاب فقدان شخص قريب منه. لذلك قد يعتقد أحيانًا أن الشخص المتوفى نائم وسيستيقظ لاحقًا، أو أنه سافر وسيعود بعد فترة.

وتحذر سليمان من استخدام بعض العبارات الشائعة عند إخبار الأطفال بوفاة شخص ما، مثل القول إن المتوفى “نام” أو “سافر”، لأن هذه التفسيرات قد تولّد مخاوف جديدة لدى الطفل، مثل الخوف من النوم أو انتظار عودة الشخص الراحل. وتؤكد أنه من الأفضل استخدام كلمات واضحة ومباشرة تناسب عمر الطفل، عبر شرح أن جسم الإنسان يتوقف عن العمل عند الموت، وأن القلب يتوقف عن النبض والجسم عن التنفس، وبالتالي لا يعود الشخص قادرًا على الحركة أو العودة.

وترى سليمان أن الطريقة التي يتم بها إبلاغ الطفل بالخبر تشكّل لحظة أساسية في كيفية تعامله مع الفقدان لاحقًا. لذلك تنصح بأن يكون الشخص الذي يخبر الطفل قريبًا منه ويشعر معه بالأمان، وأن يتم الحديث في مكان هادئ وبأسلوب بسيط وواضح.

ولا يعبّر الأطفال عن الحزن بالطريقة نفسها التي يعبّر بها البالغون. فبحسب سليمان، قد يظهر تأثير الفقدان عبر تغيّرات سلوكية أو جسدية، مثل العودة إلى سلوكيات طفولية سابقة، أو التبول اللاإرادي، أو القلق من الانفصال عن الأهل، إضافة إلى الكوابيس أو نوبات الغضب المفاجئة. وتوضح أن هذه ردود فعل طبيعية على الصدمة، لكنها تحتاج إلى احتواء وصبر من قبل الكبار.

ومن العوامل التي تساعد الطفل على تجاوز هذه المرحلة، الحفاظ قدر الإمكان على الروتين اليومي لحياته، مثل مواعيد النوم والطعام والذهاب إلى المدرسة. فالروتين يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار والأمان في وقت يشعر فيه بأن العالم من حوله قد تغيّر.

كما تؤكد سليمان أهمية إعطاء الطفل مساحة للتعبير عن مشاعره بطرق تناسب عمره، مثل الرسم أو اللعب أو الحديث عن الذكريات. وتلفت إلى أن بعض الوسائل البسيطة قد تساعد الطفل كثيرًا في التعامل مع الفقدان، مثل إعداد “صندوق للذكريات” يضع فيه صورًا أو أشياء تذكّره بالشخص الراحل، أو كتابة رسائل له أو رسم لوحات تعبّر عن مشاعره.

وتشير إلى أن رؤية الطفل لأهله وهم يعبّرون عن حزنهم ليست أمرًا سلبيًا، بل قد تساعده على فهم أن الحزن شعور طبيعي. لكن من المهم في الوقت نفسه أن يطمئن الأهل الطفل إلى أنه ما زال في أمان، وألا يصل حزنهم إلى درجة يشعر فيها الطفل بأنه أصبح مسؤولًا عن حماية الكبار.

وتوضح سليمان أنه في بعض الحالات، مثل وفاة أحد الوالدين أو صديق في المدرسة، قد يشعر الطفل بقلق شديد أو خوف على نفسه. لذلك من المهم طمأنته وشرح ما حدث بطريقة مبسطة، مع التأكيد أن ما جرى قد يكون حالة نادرة أو مرتبطًا بمرض أو حادث.

وتشير دراسات نفسية وتربوية دولية إلى أن الدعم العاطفي المستقر يلعب دورًا حاسمًا في مساعدة الأطفال على تجاوز الفقدان. فالأبحاث تظهر أن نحو 90 في المئة من الأطفال الذين يعيشون في بيئة توفر الصدق في المعلومات وروتينًا يوميًا ثابتًا يتمكنون من تجاوز مرحلة الحزن الحاد دون الحاجة إلى تدخل علاجي طويل الأمد. كما تشير دراسات أخرى إلى أن أنشطة مثل الرسم واللعب تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وتطوير قدراتهم على فهم العواطف في سن مبكرة.

الأميوني: آلية الأمان

من جهتها، ترى  الأميوني أن فقدان الأطفال لأحد الوالدين أو الأشقاء أو الأصدقاء قد يشكّل حدثًا صادمًا يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خصوصًا إذا حدث بشكل مفاجئ أو في ظروف صعبة مثل الحروب أو الكوارث.

وتوضح أن الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يمتلك الأدوات النفسية أو المعرفية الكافية لفهم معنى الموت، لذلك غالبًا ما يظهر حزنه بطرق غير مباشرة، مثل القلق، الانطواء، اضطرابات النوم أو حتى السلوك العدواني. وفي بعض الحالات قد يشعر الطفل بالذنب، أو يعتقد أنه مسؤول بطريقة ما عمّا حدث، ما يزيد من تعقيد تجربته النفسية.

وتضيف الأميوني أن الفقدان قد يؤثر أيضًا في شعور الطفل بالأمان والاستقرار الاجتماعي، لأن الأسرة تمثل الإطار الأساسي للحماية النفسية. وعندما يحدث خلل في هذا الإطار نتيجة فقدان أحد أفرادها، قد يشعر الطفل بعدم اليقين تجاه المستقبل، وهو ما قد ينعكس على علاقاته في المدرسة ومع أقرانه.

لكنها تشدد على أن وجود بالغين داعمين في حياة الطفل — سواء كانوا من أفراد العائلة أو المعلمين أو الاختصاصيين — يمكن أن يخفف بشكل كبير من آثار الصدمة. فالدعم العاطفي المستمر، والحفاظ على الروتين اليومي، وإتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره، كلها عوامل تساعده على استعادة الشعور بالأمان وبناء قدرته على التكيف.

وفي المحصلة، يشير المختصون إلى أن التعامل مع فقدان الأطفال لا يجب أن يُنظر إليه كحدث عابر، بل كمرحلة حساسة تتطلب وعيًا أسريًا ومؤسساتيًا. فالأطفال قد لا يمتلكون الكلمات الكافية للتعبير عن ألمهم، لكنهم يحتاجون إلى بيئة آمنة وصادقة تمنحهم الوقت والمساحة لفهم ما حدث والتعايش معه.

وبين الصدق في الشرح، والاحتواء العاطفي، والحفاظ على استقرار الحياة اليومية، يمكن مساعدة الأطفال على تجاوز تجربة الفقدان القاسية وبناء قدرة نفسية تساعدهم على مواجهة تحديات الحياة في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العوامل والأزمات التي تمر بها المنطقة، من حروب وضغوط اقتصادية وأمنية، وإغلاق المدارس، مما يجبر الأطفال على البقاء في المنزل بعيدًا عن الاختلاط مع رفاقهم وممارسة أنشطة تعليمية وبدنية وفكرية ومدرسية، تنعكس نفسيًا على قدراتهم ومزاجهم السلوكي واليومي وتأقلمهم مع الواقع الجديد.

كل ذلك يتطلب جهودًا إضافية من الأهل من أجل سلامة الأطفال نفسيًا وصحيًا واجتماعيًا، ليبقى الطفل في مأمن من تداعيات الحياة وسلوكياتها السلبية.

مقالات الكاتب

ميراي برق

كاتبة وإعلامية.