لبنان بين قرارات مجلس الأمن وشبح الفصل السابع: من دولة مُعتدى عليها إلى دولة مُعتدية

اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة حاسمة في جلسة الثاني من آذار 2026 التي عُقدت في القصر الجمهوري، حيث أعلن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في مؤتمر صحفي، قرار “حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله”، واعتبارها غير قانونية، مع إلزام الحزب بتسليم أسلحته إلى مؤسسات الدولة. وفي الحادي عشر من آذار 2026، صرّح أحمد عرفة، المندوب اللبناني الدائم لدى مجلس الأمن، بأن الحكومة اللبنانية صنّفت حزب الله على أنه “ميليشيا خارجة عن القانون”، وذلك تطبيقًا لقرارها الصادر في 2 آذار 2026.

أما في الجلسة الطارئة الأخيرة لمجلس الأمن، التي عُقدت في 30 و31 آذار 2026 بناءً على طلب فرنسا، لمناقشة التصعيد الخطير في لبنان إثر مقتل ثلاثة من قوات اليونيفيل، وتوسيع العدو الإسرائيلي لعملياته العسكرية وتوغلاته في الجنوب اللبناني لإنشاء ما أسماه “المنطقة العازلة”، فإن المندوب اللبناني الدائم حدّد الموقف الرسمي في ست نقاط:

  • إدانة قوية لاستهداف اليونيفيل، بوصفه تهديدًا لأمن البعثة وأفرادها، واعتبار هجمات العدو الإسرائيلي “اعتداءً على مجلس الأمن نفسه”.
  • تكرار الموقف اللبناني الرافض للانجرار إلى الحرب، باعتبار أنها فُرضت عليه، وأن لبنان يدفع ثمن نزاع إقليمي مرهق.
  • الفصل بين موقف الدولة وحزب الله، باعتبار أن الحزب انخرط في الحرب من طرف واحد، في وقت كانت فيه الحكومة اللبنانية منفتحة على الحوار، وهي نقطة أتت تماشيًا مع قرار الحكومة في 2 آذار 2026 الذي أُبلغ إلى مجلس الأمن.
  • الدعوة إلى حل دبلوماسي باعتباره الخيار الوحيد القادر على ضمان الأمن والاستقرار الدائمين، والتأكيد على أن الحل لن يكون عسكريًا، وأن النتيجة النهائية يجب أن تكون سلامًا عادلًا.
  • التمسك بالقرار 1701، والمطالبة بانسحاب العدو الإسرائيلي، ودعوة المجتمع الدولي لضمان انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية، لا سيما من المواقع الخمسة المحتلة، والتحذير من خطاب رئيس وزراء العدو حول نية احتلال المنطقة حتى نهر الليطاني واعتبار ذلك حدًا جديدًا.
  • التعاطف مع الضحايا الإنسانيين، والإشارة إلى أن أكثر من 1240 شخصًا قُتلوا في غضون أربعة أسابيع، وأكثر من 1.1 مليون نازح، ما يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة.

لم يلتزم العدو الإسرائيلي ولم ينفّذ أيًّا من قرارات مجلس الأمن التي اتُّخذت لصالح الدولة اللبنانية، وآخرها القرار 1701 الصادر عام 2006 والمعدّل أواخر عام 2024، بل إنه متهم بانتهاك كل تلك القرارات بشكل متكرر، وبتوثيق من بعثة الأمم المتحدة التي وصفت تلك الانتهاكات بأنها “اعتداء على سيادة لبنان”.

وتشمل هذه الانتهاكات خروقات برية واحتفاظًا بمواقع عسكرية ومناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى أنشطة عسكرية تشمل إطلاق النار عبر الخط الأزرق، وغارات جوية يومية، وانتهاكات متكررة للمجال الجوي اللبناني. وهذا يطرح سؤالًا بديهيًا لا لبس فيه: هل تستطيع الأمم المتحدة حماية لبنان وردع هذا العدو المتغطرس بالطرق الدبلوماسية؟ الجواب، بكل بساطة: كلا.

والسؤال الثاني ذو شقين: لماذا لم يُصار إلى تمركز لقوات اليونيفيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ ولماذا لم يستخدم مجلس الأمن القوة العسكرية ضد هذا العدو ولو لمرة واحدة؟

السؤال الأخير: لماذا لم يتم حتى اليوم تسليح الجيش اللبناني بما يلزم فعليًا من العتاد والأسلحة النوعية ليصبح قوة ردع فعلية، بما يمكّنه من القيام بواجباته في تأمين كامل الجغرافيا اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا؟

لذلك، لا نضع اللوم على الصواريخ الستة التي أُطلقت من لبنان باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة بتاريخ الثاني من آذار 2026، بعد انقضاء خمسة عشر شهرًا من العربدة والإجرام المتعمد من العدو الإسرائيلي، واعتبارها أشعلت فتيل حرب لا حول للبنان فيها ولا قوة.

نحن اليوم أمام امتحان كبير للقوى العظمى وللأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فهل سنرى بعض العدل؟ وهل سنبصر قرارًا يخضع له هذا العدو بالقوة؟

الدولة اللبنانية والفصل السابع لمجلس الأمن

كثر في الأسابيع المنصرمة طرح ما يسمى “وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”. فهل يعي المطالبون بذلك مدى خطورته على الدولة اللبنانية بكل مكوناتها؟

هذا التحليل ليس للتهويل، وإنما لتبيان بعض الحقائق، مما تطرقت إليه في الجزء الأول من المقال، ألا وهو رفض العدو الإسرائيلي الامتثال وتنفيذ أي من قرارات مجلس الأمن.

إن وضع دولة ما تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يعني أن مجلس الأمن الدولي قد اعتبر أن هذه الدولة تشكل “تهديدًا للسلم الدولي، أو إخلالًا به، أو عملًا عدوانيًا”. وهذا ما يُحوِّل لبنان من دولة مُعتدى عليها إلى دولة مُعتدية. والدليل تمركز القوة الدولية على الأراضي الجنوبية اللبنانية منذ آذار 1978، بدل أن تكون متمركزة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

هذا التصنيف يمنح مجلس الأمن سلطات استثنائية لاتخاذ إجراءات قوية وملزمة ضد تلك الدولة، تتراوح بين العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وحتى التدخل العسكري المباشر، وذلك بهدف “حفظ أو استعادة السلم والأمن الدوليين”.

باختصار، الفصل السابع هو “ذراع الإخضاع بالقوة” للأمم المتحدة. فبينما تعتمد إجراءات الفصل السادس على طلب من الأطراف المتنازعة وتستند إلى مبدأ الموافقة، فإن قرارات الفصل السابع تكون إلزامية لجميع الدول الأعضاء، ولا تحتاج إلى موافقة الدولة المستهدفة.

الأساس القانوني وآلية العمل

تتم عملية تفعيل الفصل السابع عبر ثلاث خطوات أساسية يحددها الميثاق بوضوح:

  • التحديد (المادة 39): يقوم مجلس الأمن أولًا بتحديد وجود تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني، وهذا القرار هو المفتاح القانوني الذي يفتح الباب لتطبيق الفصل السابع.
  • الإجراءات المؤقتة (المادة 40): قد يطلب المجلس من الأطراف المعنية اتخاذ إجراءات مؤقتة لمنع تفاقم الموقف، مثل وقف إطلاق النار، قبل الانتقال إلى إجراءات أكثر صرامة.
  • تحديد الإجراءات (المادتان 41 و42): إذا لم تكن الإجراءات المؤقتة كافية، ينتقل المجلس لاتخاذ تدابير فعلية، يمكن أن تكون:
    • إجراءات لا تستخدم القوة العسكرية (المادة 41): وتشمل العقوبات الاقتصادية، مثل حظر الأسلحة، وتجميد الأصول المالية، وفرض حظر السفر، أو قطع العلاقات الدبلوماسية.
    • إجراءات عسكرية (المادة 42): إذا رأى المجلس أن العقوبات الاقتصادية غير كافية، يمكنه اتخاذ إجراء عسكري جوي أو بري أو بحري، ويشمل ذلك استخدام القوة لفرض القرارات.

من عقوبات إلى تدخل عسكري

في الممارسة العملية، تبدأ الإجراءات عادة بالعقوبات الاقتصادية “الذكية” التي تستهدف النظام الحاكم أو المسؤولين عن التهديد. لكن إذا فشلت هذه العقوبات في تحقيق الهدف، يمكن لمجلس الأمن أن يأذن باستخدام القوة العسكرية.

ومن المهم الإشارة إلى أن قرار العمل العسكري بموجب الفصل السابع لا يعني بالضرورة أن الأمم المتحدة هي من ستقود العمليات العسكرية. ففي كثير من الأحيان، يفوض المجلس تحالفًا من الدول، مثل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، لتنفيذ هذه المهمة.

أمثلة تاريخية وتطور المفهوم

تم استخدام الفصل السابع في العديد من الحالات البارزة عبر التاريخ، أبرزها:

  • حرب الخليج (1991): بعد غزو العراق للكويت، استخدم مجلس الأمن الفصل السابع لإجبار العراق على الانسحاب، وأذِن باستخدام “كل الوسائل اللازمة” لتحقيق ذلك.
  • الصومال (1992): تم تفعيل الفصل السابع للسماح بدخول قوات لحماية المساعدات الإنسانية في ظل غياب حكومة فاعلة.
  • البوسنة والهرسك (1995): أذِن مجلس الأمن باستخدام القوة لحماية “مناطق آمنة”، ولاحقًا لإنهاء الحرب.
  • التطور الحديث: في السنوات الأخيرة، توسع مفهوم “التهديد للسلم الدولي” ليشمل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل الدول، مثل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. لكننا لم نشهد هذا التدخل في عدوان 1996 على لبنان، ولا في حرب تموز 2006، ولا في حرب الإبادة في غزة، ولا في ما يحصل حاليًا من تهويد للجنوب اللبناني، ما يوضح، بشكل لا يقبل التأويل، ازدواجية المعايير. وقد أدى ذلك إلى بروز مفهوم “مسؤولية الحماية”، الذي ينص على أن للمجتمع الدولي مسؤولية التدخل عندما تفشل الدولة في حماية مواطنيها من هذه الجرائم.

إن وضع دولة تحت الفصل السابع هو أخطر تصنيف يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن الدولي، إذ يحوّل ملف الدولة من مسألة للتفاوض الطوعي إلى قضية إلزامية قد تصل إلى حد استخدام القوة لفرض إرادة المجتمع الدولي.

مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.