فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، تحولت من خصمٍ إيديولوجي لواشنطن إلى شريكٍ محتمل في لعبة التوازنات الجديدة. فبعدما كانت تعتبر قاعدة نفوذ روسية في نصفها الجنوبي، باتت تُدرك أن عزلها الكامل يفتح الباب واسعاً أمام موسكو وبكين لترسيخ حضورهما في حديقتها الخلفية. بينما يرى مادورو أن ما يجري محاولة أميركية لاستعادة السيطرة على منابع النفط والغاز في الجنوب بعد إخفاقها في جبهات أخرى.
التحول الأميركي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة ضغوط واقعية فرضتها الحرب في أوكرانيا وتراجع الإمدادات النفطية من الشرق الأوسط. فتحت واشنطن قنوات تواصل هادئة مع حكومة مادورو عبر وسطاء إقليميين، لتخفيف العقوبات مقابل تعاون في ملف الطاقة وضبط الهجرة المتدفقة نحو أراضيها. لكن هذه المقاربة البراغماتية سرعان ما اصطدمت بجدار جديد من التوترات السياسية والعسكرية.
في الأشهر الأخيرة، انفجرت الأزمة مجدداً، بعدما نفّذت القوات الأميركية ضربات بحرية استهدفت مراكب في المياه الإقليمية الفنزويلية بحجة محاربة عصابات تهريب المخدرات. إحدى هذه العمليات أسفرت عن مقتل أحد عشر شخصاً، ما دفع حكومة مادورو إلى اتهام الولايات المتحدة بـ”العدوان العسكري المباشر” معلنة حالة التأهب البحري ونشر بوارج وطائرات مسيّرة في البحر الكاريبي، معتبرةً أن واشنطن تستخدم “ملف مكافحة المخدرات” ذريعة للتدخل في سيادتها.
بالمقابل، تواصل البحرية الأميركية تعزيز وجودها، مع تحليق طائرات استطلاع ومقاتلات حديثة قرب السواحل الفنزويلية، فيما وُصفت بعض التحركات بأنها “تحذير استباقي” لنظام مادورو. ترافق ذلك مع تصعيد سياسي؛ إذ رفعت واشنطن قيمة المكافأة المعلنة لتوقيف مادورو إلى خمسين مليون دولار، ووسّعت لائحة العقوبات لتشمل شخصيات سياسية واقتصادية جديدة. أما فنزويلا، فطلبت عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، متهمةً الولايات المتحدة بالإعداد لهجوم محتمل تحت ستار “عمليات مكافحة الجريمة المنظمة”.
في هذا المناخ، تصبح المعادلة الجديدة قائمة على ثلاث نقاط: نفوذ، وصراع إرادات ليختلط الاقتصاد بالاستراتيجيا. فواشنطن تدرك أن حاجتها للطاقة تمنعها من قطيعة كاملة مع كاراكاس، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التراجع من دون مقابل سياسي يبرر التقارب أمام الرأي العام الأميركي. أما مادورو، فيلعب على حافة الخطر، مراهناً على توازن الردع. لا هو قادر على تحدي الولايات المتحدة عسكرياً، ولا مستعد للتنازل عن صورته كرمز للسيادة في وجه “الإمبريالية الشمالية”. النتيجة حتى الآن حالة من الاشتباك البارد أو رقص على حافة الهاوية بالتزامن مع تدفق غير مسبوق للمهاجرين عبر الحدود الجنوبية الأميركية، ما يضيف بعداً داخلياً للأزمة في واشنطن نفسها.
مما لا شك فيه أن ما يجري جزء من صراع أوسع على هوية النظام الدولي الجديد. بين النفط والعقوبات، وبين السيادة والمصالح، اختبارٌ جديد لعصرٍ “ترامبي” تُعاد فيه صياغة النفوذ الأميركي، دون استبعاد تحول المسرح اللاتيني إلى أرض مواجهة بين القوى الكبرى، ولو بقي حتى الآن حلبة عضّ أصابعٍ تحت سقف مفتوح الاحتمالات. أخيراً فالمؤشرات الحالية تتوزع على مسارات ثلاث:
- “الردع المتبادل” دون انزلاق إلى مواجهة مباشرة. فواشنطن تدرك أن أي صدام عسكري مفتوح في الكاريبي ليس وقته ولا ترغب به ليبقى ضمن هوامش التحذير، التهديد، والتنديد. فيما يعي مادورو أن أي مغامرة قد تفتح الباب أمام تدخلٍ دولي أوسع.
- “التسوية المرحلية” نافذتها وساطة أطراف إقليمية كالبرازيل أو المكسيك، تقوم على تخفيف العقوبات النفطية مقابل التزام فنزويلا بحدود معينة في تحركاتها الإقليمية، ضبط ملف الهجرة ومكافحة تهريب المخدرات. هذا المسار يسمح للطرفين بتهدئة العاصفة من دون خسارة ماء الوجه.
- “الانفجار المحدود” احتمال قائم على قرار مباشر من الرئيس ترامب أو مبني على خطأ في التقدير العسكري يناسب “ضربة تحذيرية” تخدمه انتخابياً، فيما تستغلها كاراكاس لتعزيز خطاب “المظلومية الوطنية”.
في جميع الأحوال، الصراع لم يعد مجرد أزمة حدود بحرية أو استغلال طاقة نفطية، بل تحوّل معركة رمزية حول من يملك تعريف السيادة في زمن “الأحادية المتصدعة”. ما يجري في البحر الكاريبي اليوم اختبار لقدرة واشنطن على حفظ نفوذها في الفناء الخلفي الذي لم يعد يخصّها وحدها.

منذر الأيوبي
عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والإستراتيجية.
