حرب مكافحة المخدرات أم حرب فرض الطاعة؟

قراءة جيوسياسية في عودة منطق الحرب الباردة إلى «الحدائق الخلفية»

ما يجري في فنزويلا لا يمكن قراءته بوصفه فصلًا عابرًا من فصول “الحرب على المخدرات”، بقدر ما يمثل عودة صريحة إلى منطق الحرب الباردة بصيغتها المحدثة؛ حرب لا تُخاض بالجيوش التقليدية فقط، بل عبر الطائرات المسيّرة، والعقوبات، والحصار البحري، وتفويض الاستخبارات، وتغليف كل ذلك بخطاب أخلاقي جاهز.

الولايات المتحدة، التي طالما نظرت إلى أميركا اللاتينية باعتبارها “حديقتها الخلفية”، تعيد اليوم إنتاج هذا المفهوم بوسائل أكثر حداثة، ولكن بالعقلية نفسها. ففنزويلا ليست مجرد دولة تُتَّهم بتهريب المخدرات، بل دولة خرجت عن بيت الطاعة السياسي، وقررت أن تعيد تعريف علاقتها مع واشنطن، وهو ذنب لا يُغتفر في الجغرافيا السياسية الأميركية.

الحرب الباردة… ولكن بلا رايات أيديولوجية

في زمن الحرب الباردة الكلاسيكية، كان الصراع يدور حول الشيوعية والرأسمالية. أما اليوم، فقد استُبدلت الرايات الأيديولوجية برايات أكثر مرونة: مكافحة المخدرات، مكافحة الإرهاب، حماية الأمن القومي. العدو لم يعد “الشيوعية”، بل “الدولة المارقة”، و”العصابات”، و”التهديدات غير التقليدية”.

في هذا السياق، تصبح الضربات داخل الأراضي الفنزويلية رسالة مزدوجة: رسالة داخلية مفادها أن الدولة الفنزويلية فاقدة للسيادة، ورسالة إقليمية تقول إن أي خروج عن المسار الأميركي سيُواجَه بالقوة، ولو تحت لافتة إنسانية أو أمنية.

ازدواج المعايير: المخدرات حين تخدم، والمخدرات حين تُجرَّم

هنا تتجلى الازدواجية الأميركية بأوضح صورها. ففي حين تُستخدم “المخدرات” ذريعة لتبرير الضربات ضد فنزويلا، يتغافل الخطاب الأميركي — بل ويتواطأ أحيانًا — مع اقتصاد الأفيون في أفغانستان حين كان يخدم توازنات النفوذ.

لم يكن سرًا أن زراعة الأفيون في أفغانستان ازدهرت في ظل الحماية الغربية، وأن أمراء الحرب المحليين سُمح لهم بالاستمرار مقابل لعب أدوار وظيفية: تمويل شبكات، شراء ولاءات، وإدارة الفوضى بما يخدم مصالح استخباراتية معقدة. هناك، لم تكن المخدرات تهديدًا للأمن العالمي، بل أداة ضمن أدوات السيطرة.

أما في فنزويلا، فالمعادلة مختلفة: دولة تمتلك موارد طاقة ضخمة، وموقعًا جيوسياسيًا حساسًا، وخطابًا سياسيًا مناوئًا. هنا تتحول المخدرات من “وسيلة” إلى “جريمة كونية” تستدعي التدخل المباشر.

من الحرب على المخدرات إلى حرب فرض الطاعة

التحركات الأميركية الأخيرة لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تقوم على إعادة الانضباط القسري في المجال الحيوي الأمريكي. هي ليست حربًا لإسقاط نظام بالضرورة، بل حرب لإبقائه محاصرًا، مرهقًا، فاقدًا للقدرة على الحركة، حتى يتحول إلى عبرة لغيره.

وهذا النموذج ليس جديدًا؛ هو امتداد لمدرسة قديمة ترى أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الهيمنة، وأن السيادة الوطنية مفهوم نسبي حين يتعارض مع المصالح الكبرى.

حرب باردة بلا اعتراف رسمي

ما يحدث في فنزويلا هو حرب باردة بلا إعلان، تُدار بالأدوات الاستخباراتية أكثر من الدبابات، وبالرسائل الرمزية أكثر من الاحتلال المباشر. وهي تؤكد أن العالم لم يغادر منطق القوة، بل غيّر فقط لغته وأدواته.

أما السؤال الحقيقي، فلا يتعلق بالمخدرات، بل بمن يملك حق تعريف “التهديد”؟ ومن يقرر متى تُحترم السيادة، ومتى تُنتهك؟

في عالم تحكمه موازين القوة، تبقى الإجابة واحدة: السيادة تُمنح لمن يطيع، وتُسحب ممن يعارض!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.