اقتراح قانون العفو وتخفيض مدّة بعض العقوبات: «خياطة تشريعية» غير موفّقة!

بعيداً عن الأفكار التي تداولتها وسائل الإعلام والأنشطة السياسية، سنعالج الاقتراح من منظار تشريعي بحت. وبعيداً عن الصفة العامة والمطلقة للتشريع الصحيح، يبرز اقتراح قانون العفو مثالاً سيئاً للتشريع؛ فهو يشكّل نموذجاً عن التشريع على القياس، أو ما نفضّل أن نطلق عليه تسمية “الخياطة التشريعية”. ولكن، حتى من هذا المنظار، يبدو الاقتراح “فاشلاً”؛ فهو لم يحمل في طيّاته ما يشير إلى أنّ واضعي الاقتراح أو معدّليه تمكّنوا من تحقيق الغايات الثلاث، غير المشروعة برأينا، المتوخّاة من خلاله، وهي شمول اقتراح قانون العفو: جرائم المخدرات، والإسلاميين، وعناصر جيش لبنان الجنوبي المبعدين إلى إسرائيل.

انطلاقاً من هذا الواقع التشريعي الأليم، نجد أنفسنا مضطرين إلى تجزئة هذا المقال إلى ثلاثة أقسام، وفقاً لما هو وارد أعلاه، بعيداً عن الآراء القانونية البحتة المعروضة من الكافة، والتي لا خلاف عليها.

أولاً: جرائم المخدرات

لم يتم استثناء جرائم المخدرات من اقتراح قانون العفو، حسبما يظن البعض، بل هي مشمولة به. وإنّ ما هو غير مشمول به هو “جنايات التكرار بالمخدرات كما نصّت عليها المادة 125 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف رقم 673/1998، وقُصد بالتكرار القانوني التكرار كما نصّ عليه قانون العقوبات”.
المادة الثانية من الاقتراح، البند 5.

إنّ التطرّق إلى هذا الاستثناء يتطلب توضيح ما نصّت عليه المادة 125 من قانون المخدرات، وما نصّ عليه قانون العقوبات اللبناني لجهة التكرار، وما نصّت عليه المادة العاشرة من الاقتراح بإقرارها “الإدغام الإلزامي”.

أ ـ المادة 125 من قانون المخدرات

إنّ ما يهمنا في هذا المقال المقتضب ليس المادة 125 بحدّ ذاتها، بل ما تضمّنه البند -1- من المادة المذكورة، الذي أحال صراحة إلى المادة 13 من القانون ذاته، والتي تحظر النباتات وبذورها والمواد والمستحضرات، وإنتاجها، وصنعها، واستخراجها، وتحضيرها، وتحويلها، وشراءها، وحيازتها، وإحرازها، وتسلّمها، واقتناءها، وتملّكها، واستخدامها، وصرفها، وعرضها، ونقلها، وتسليمها، وطرحها للبيع، وبيعها، وتوزيعها بالجملة أو بالتجزئة، وتبادلها، والتنازل عنها مجاناً أو بعوض، والتوسّط والسمسرة بشأنها، وإرسالها، وشحنها، واستيرادها، وتصديرها، والاتجار بها، مهما كان نوعها؛ وبصورة عامة، كل عمل أو إجراء، مهما كان نوعه، يتعلق بها.

وبالعودة إلى الاقتراح، نؤكّد تكراراً أنّ العفو يشمل كل هذه الجرائم، أي يشمل الجرائم التي ارتكبها تجار المخدرات، ولا يستثني منها سوى جنايات التكرار، حسبما نصّ عليه قانون العقوبات. فما هو التكرار؟ وهل يشمل “تجار المخدرات” المقصودين بالاقتراح؟

ب ـ التكرار

كما ذكرنا أعلاه، فإنّ اقتراح قانون العفو يشمل جرائم المخدرات، ولم يستثنِ منها فقط، في إطار سياسته في “التشريع على القياس”، سوى “جنايات التكرار بالمخدرات”.

هذا التعبير ليس مصطلحاً قانونياً صحيحاً، فلا توجد جرائم اسمها “جنايات التكرار بالمخدرات” بمفهوم قانون العقوبات الذي أحالت إليه المادة الثانية، البند الخامس، من الاقتراح. بل إنّ هذا القانون نصّ على التكرار في الفصل الثالث، النبذة 2، من القسم الثالث منه، كسبب مشدّد للعقوبة وليس كجناية، كما نصّ عليه الاقتراح. وهو يتطلب توافر شرطين:

صدور حكم مبرم، وارتكاب جناية أو جنحة أخرى قبل مضي مدة معينة، لطفاً تُراجع مندرجات المادتين 258 و259 من قانون العقوبات.

إذا عدنا إلى “كبار تجار المخدرات”، المقصودين من دون أدنى شك باقتراح قانون العفو، في إطار “التشريع على القياس”، نجد أنّ استثناء “جنايات التكرار بالمخدرات” لا يشملهم، فيبقون مستفيدين من العفو؛ لأنهم ليسوا محكومين بأحكام مبرمة، فهم فارّون من وجه العدالة منذ عشرات السنين ومحميّون سياسياً، كما يعلم الجميع. وحتى الذين سلّموا أنفسهم بناءً على نصائح غير حميدة، لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة.

هذا بالنسبة إلى الشرط الأول لتوافر التكرار، فهو غير متوافر إذاً بحقهم. أمّا بالنسبة إلى الشرط الثاني، فهو غير متوافر أيضاً، لأنه مرتبط بالشرط الأول؛ فلا يمكن أن يكون مكرّراً من لم يرتكب جريمته مرة ثانية بعد صدور حكم قضائي مبرم بحقه، إذ لا يُتصوّر أن يتوافر الشرط الثاني إلا مقترناً بالشرط الأول، فانتفاء الشرط الأول ينفي حتماً توافر الشرط الثاني.

وبذلك، يكون “كبار تجار المخدرات” مشمولين باقتراح العفو “المنسوج على القياس”!

ج ـ الإدغام الوجوبي

نصّت عليه المادة العاشرة من الاقتراح، وقد جاء فيها، وفي سياق سياسة “نسج الاقتراح على القياس”، أنّه “لمرة واحدة حصراً، ولدواعي تطبيق هذا القانون، تُعدّل المادة 205 من قانون العقوبات لتصبح على الشكل التالي:

باستثناء المحكومين بعقوبة الإعدام أو المؤبد، التي لا تخضع للجمع، إذا ثبتت عدة جنايات أو جنح، قُضي بعقوبة لكل جريمة، ونُفّذت العقوبة الأشد دون سواها.

على أنه يمكن الجمع بين العقوبات المحكوم بها، بحيث لا يزيد مجموع العقوبات المؤقتة على أقصى العقوبة المعيّنة للجريمة الأشد إلا بمقدار ربعها”.

يستفيد كبار تجار المخدرات من هذه المادة بصورة واضحة، فهم مشمولون باقتراح قانون العفو، كما أوضحنا أعلاه، ولا يُستثنى من العفو سوى مرتكبي جرائم التكرار بالمخدرات. ولكن حتى هؤلاء يستفيدون من الإدغام الوجوبي المنصوص عليه في المادة العاشرة من الاقتراح. كيف ذلك؟

نصّت المادة 205 من قانون العقوبات على أنه “إذا ثبتت عدة جنايات أو جنح، قُضي بعقوبة لكل جريمة، ونُفّذت العقوبة الأشد دون سواها”.

هذا هو المبدأ، وهو الإدغام.

ولكن الفقرة الثانية من هذه المادة نصّت على استثناء، فتركت للقاضي حرية جمع العقوبات، بحيث لا يزيد مجموع العقوبات المؤقتة على أقصى العقوبة المعيّنة للجريمة الأشد إلا بمقدار نصفها.

هذا يعني أنّه يعود للقاضي عدم إدغام العقوبات، بل جمعها؛ وهو ما استبعدته المادة العاشرة أعلاه، في فقرتها الثانية، ولم تُبقِ إلا على جواز الجمع في عقوبة الإعدام أو المؤبد.

ولكن الجرائم المرتكبة من قبل كبار تجار المخدرات لا تصل عقوبتها إلى حد الإعدام أو المؤبد، ما يعني أنهم يستفيدون من الإدغام الوجوبي؛ هذا فضلاً عن أنّه، منطقياً، لا يمكن جمع عقوبتي الإعدام أو المؤبد، فلا الإعدام ولا المؤبد جائز بأكثر من مرة واحدة. وبالتالي، فإن النص على هذا الاستثناء هو من باب لزوم ما لا يلزم.

وقد ترك واضعو الاقتراح للقاضي حرية الجمع بين العقوبات المحكوم بها في العقوبات المؤقتة فقط، إذ ورد في الفقرة الثالثة من المادة ذاتها أنه “يمكن الجمع بين العقوبات المحكوم بها، بحيث لا يزيد مجموع العقوبات المؤقتة على أقصى العقوبة المعيّنة للجريمة الأشد إلا بمقدار ربعها”.

ثانياً: جرائم «الإسلاميين»

بادئ ذي بدء، نؤكد ما ذكره كثيرون هنا، وهو أنّ من حق هؤلاء الحصول على “محاكمة عادلة” وفقاً للدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية. وإذا كان البعض قد أشار إلى أنّ هؤلاء يتحملون مسؤولية التأخير في محاكمتهم، إمّا بسبب رفض معظمهم تنفيذ “مذكرات السوق”، وامتناعهم عن حضور جلسات المحاكمة المحددة لهم، أو عبر رفضهم تعيين محامين عنهم للسير بالمحاكمات، إلى آخره، فهذا قول مردود لسببين:

أولاً، لأن فعل البعض لا يرتدّ على الآخرين. فإذا كان هذا القول صحيحاً، فهو لا ينعكس على من لم يرفض اقتياده إلى جلسات المحاكمة، ولم يرفض تعيين محامٍ عنه، لأن هؤلاء نفّذوا مذكرات سوقهم إلى المحاكم، كما عمدوا إلى تعيين محامين للدفاع عنهم.

بألم كبير نقول إنّ هؤلاء الذين يُطلق عليهم تسمية “الإسلاميين”، مع معارضتنا الشديدة لهذا التوصيف، مضى على توقيفهم من دون محاكمة ما يزيد على إحدى عشرة سنة، أو ما يعادل أربع عشرة سنة سجنية. وهذا ما يرفضه القانون، ولا يتماشى إطلاقاً مع فكرة العدالة ولا مع حقوق الإنسان، وكأنّ هؤلاء نالوا عقابهم قبل محاكمتهم!

وبالتالي، فإنّ شمولهم بقانون العفو ليس أمراً خاطئاً. نقول هذا بعيداً عن الآراء التي تجعل من جرائمهم جرائم “غير عادية”، باعتبار أنها تستهدف عناصر من الجيش وسوى ذلك؛ لأنه لا وجود في علم القانون لأي تفرقة بين الجرائم الواقعة على مدنيين وتلك الواقعة على عسكريين، إلا فقط لجهة تشديد العقوبة. إذ إنّ الجريمة تبقى جريمة من حيث عناصرها المادية والمعنوية والقانونية، والعفو أصلاً وُجد ليشمل الجرائم، لا ليشمل “فضائل البشر”!

هذه الجرائم ليست مشمولة باقتراح قانون العفو، بل هي مشمولة بـ”تخلية السبيل الحكمية” واستمرار المحاكمة، وفق المادة الخامسة من الاقتراح، وبتخفيض العقوبات المنصوص عليه في المادة الثالثة من الاقتراح.

ولا يثير تخفيض العقوبة أي إشكالية تُذكر، بل يستفيد منه جميع من لم يشملهم العفو. ولكن الإشكالية تكمن في نص المادة الخامسة من الاقتراح، التي تنص على ما يلي: “استثنائياً، وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، والتي لم يصدر أي حكم فيها، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 14 سنة سجنية، على القاضي تخلية سبيل المدعى عليه حكماً، وتستمر محاكمته وفقاً للأصول القانونية”.

هنا نميّز، وفي إطار سياسة “التشريع على القياس” أيضاً، بين “الإسلاميين” الذين أُوقفوا إثر جرائم حصلت في شمال لبنان، وبين أولئك الذين أُوقفوا وجرت محاكمة بعضهم في “جريمة عبرا”، ولا سيما الشيخ أحمد الأسير والفنان فضل شاكر.

فـ”إسلاميو الشمال”، إذا صح التعبير، يستفيدون من إخلاء السبيل الحكمي، لأنه مضى على توقيفهم أكثر من أربع عشرة سنة سجنية، ولكنهم لا يستفيدون من العفو.

وتقتضي الإشارة فوراً إلى أنه، “من دون جميلة اقتراح قانون العفو”، كان يجب أن يستفيد هؤلاء من أحكام المادة 108 أ.م.ج، وأن يتم إخلاء سبيلهم منذ مدة بعيدة. ولكن عدم تطبيق هذا النص من دون مبرر أبقاهم موقوفين إلى هذه الساعة!

إلا أنّه يبقى “الكحل أفضل من العمى”! فتخلية سبيلهم الحكمية ضرورية، لأن توقيفهم من دون محاكمة طوال هذه المدة حوّلهم من موقوفين إلى معتقلين، وهذا أمر مرفوض.

ولكن موقوفي جرائم عبرا، ولا سيما الشيخ أحمد الأسير والفنان فضل شاكر، لم يستفيدوا لا من العفو ولا من إخلاء السبيل الحكمي، المنصوص عليه في المادة الخامسة، بل فقط من تخفيض العقوبة، المنصوص عليه في المادة الثالثة، التي شملتهم لأنها نصّت على “الجرائم التي صدرت أو لم تصدر فيها أحكام، والتي حصلت قبل تاريخ نفاذ هذا القانون، ولم يشملها العفو”.

لقد فجّرت “جرائم عبرا” اقتراح قانون العفو من أساسه، فذهب إلى رجعة أم إلى غير رجعة؟ لا ندري!

ذلك أنّ بعض “مجرمي عبرا” صدرت بحقهم أحكام عن المحكمة العسكرية الدائمة، ولن نبدي رأينا بهذه الأحكام لأننا لسنا على اطّلاع بملفاتها، ولكننا نسجّل رفضنا المكرّر للإبقاء على “محكمة عسكرية استثنائية” في لبنان، بالرغم من أنّ هذا النوع من المحاكم قد أُلغي من معظم المنظومات القضائية في البلدان المتطورة.

فلماذا لم يستفد الشيخ أحمد الأسير، مثلاً، من اقتراح قانون العفو؟ لأن المادة الخامسة من الاقتراح اشترطت للاستفادة من “إخلاء السبيل الحكمي” ألا يكون قد صدر أي حكم في القضية. ولكن الشيخ أحمد الأسير صدر بحقه حكم عن المحكمة العسكرية الدائمة، وهو الآن ما زال معروضاً أمام محكمة التمييز العسكرية. فالحكم المذكور لم يصبح بعد مبرماً، طالما لم تلفظ محكمة التمييز العسكرية حكمها بعد. فلا يستفيد الشيخ أحمد الأسير، إذاً، من “إخلاء السبيل الحكمي”، لأنه صدر حكم بحقه، بل يستفيد فقط، كما أسلفنا، من تخفيض العقوبة.

من هنا، طالب مؤيدو استفادة الشيخ أحمد الأسير، وفي سياق “خياطة الاقتراح على القياس”، بأن تُضاف إلى كلمة “حكم” كلمة “مبرم”؛ أي أن تصبح المادة الخامسة من الاقتراح كما يلي: “استثنائياً، وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، والتي لم يصدر أي حكم مبرم فيها…” إلخ.

فكلمة “مبرم” هنا، لو وردت في الاقتراح، لكانت أنقذته من السقوط! وكانت الكلمة الواحدة “أحيت نفوس” مؤيدي الشيخ أحمد الأسير…

فهنا كان سيستفيد الشيخ أحمد الأسير من “إخلاء السبيل الحكمي”، وكان ذلك سيكون السبيل الوحيد “لإنقاذ اقتراح قانون العفو” من السقوط في بحر المزايدات السياسية والطائفية، وذلك عبر “تخريجة” جديدة تكون فيها “خياطة” الاقتراح على القياس أكثر دقة!

ولكن هذا لم يحصل، فتعالت الأصوات، و”اختلط الحابل بالنابل” كما في كل مرة، ووقعنا في فخ الفوضى التشريعية، كما في كل مرة. فقد أضحت هذه الفوضى، مع الأسف، في صلب ثقافتنا التشريعية السيئة!

ثالثاً: المبعدون إلى إسرائيل من أفراد وضباط جيش لبنان الجنوبي

هؤلاء لا يستفيدون سوى من تخفيض العقوبة، وفق المادة الثالثة من الاقتراح، ولا يستفيدون من العفو، إذ تم استثناؤهم بمقتضى المادة المذكورة من العفو، “سواء صدرت الأحكام بحقهم أم لم تصدر”. ولم يُستثنَ منهم سوى المشمولين بالفقرة 2 من المادة الأولى من القانون رقم 194، تاريخ 18/11/2011، الذين يعتبرون مستفيدين حكماً من قانون العفو العام الحالي.

ولكن، بحسب علمنا، فإن هؤلاء كانوا بحاجة إلى مراسيم تطبيقية في حينه للاستفادة من القانون رقم 194، تاريخ 18/11/2011، وليس في علمنا أنّ هكذا مراسيم قد صدرت! فيكون الاستثناء الوارد بهذا الخصوص “إنشائياً بحتاً” لا قيمة له. كما أنّ أفراد وضباط “جيش لبنان الجنوبي” الذين لم يحاكموا بعد، أو صدرت بحقهم أحكام غيابية، سيحاكمون، عند عودتهم إلى لبنان، في حال حصل ذلك، وفقاً لأحكام قضائية عسكرية، واستناداً إلى القوانين اللبنانية التي تجرّم التعامل مع إسرائيل. وإذا كانوا يستفيدون من تخفيض العقوبة، فإن هذا التخفيض لا يمحو الجرم.

هذا فضلاً عن أنّ الزمن كفيل بإنهاء كل شيء؛ فانقضاء مدة طويلة على فرارهم إلى إسرائيل أو إلى خارج لبنان حوّل نمط حياتهم، فاستقروا حيث هم، ومنهم من غادر طفلاً، فكبر وتزوّج واستقر حيث هو. ومعظمهم حاز الجنسية الإسرائيلية، ولم يعد بحاجة إلى العودة إلى لبنان، بل باتت العودة متعذّرة عليه لأنه أصبح مواطناً إسرائيلياً.

فيكون ما شمله الاقتراح بهذا الخصوص غير ذي فائدة، ومن قبيل تأمين غطاء سياسي أو طائفي للاقتراح، وهو في الحقيقة فارغ من مضمونه.

رابعاً: بعض الملاحظات السريعة على اقتراح قانون العفو

توجد بعض الملاحظات السريعة على الاقتراح؛ فالمادة الرابعة منه نصّت على أنه “يبقى حق النظر بالحقوق الشخصية الناجمة عن جرم شمله العفو الكامل أو مرور الزمن أو تخفيض العقوبات، من اختصاص المحاكم الجزائية إذا كانت الدعوى العامة قُدّمت مباشرة إلى المراجع الجزائية أو أُحيلت إليها قبل العمل بهذا القانون.

أما دعاوى الحق الشخصي الأخرى الناجمة عن جرم جزائي شمله العفو الكامل أو مرور الزمن حقاً، فتفصل فيها المحاكم المدنية”، إلى آخره.

هذا النص هو من باب لزوم ما لا يلزم، لأن المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تتضمّن ما تضمّنته هذه المادة، إذ نصّت على أنه “تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى، في حال سقوط الدعوى العامة لسبب من الأسباب الأولى المذكورة، ومن بينها العفو العام ومرور الزمن، النظر في دعوى الحق الشخصي…” إلى آخره، ما يُعدم أي فائدة من المادة المذكورة.

أما من ناحية مرور الزمن، فإننا لسنا في صدده في معرض اقتراح قانون العفو العام الحاضر، وإنّ “حشره” في هذا القانون ليس موفقاً على الإطلاق.

وهذا يصح أيضاً على ما تضمّنته المادة السابعة من الاقتراح بالنسبة إلى غير اللبنانيين المستفيدين من أحكام العفو، الذين أوجب القانون، فور إخراجهم من السجن، تسليمهم إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى وفق الأصول القانونية؛ فهو أيضاً من قبيل لزوم ما لا يلزم، لأن القوانين التي تحكم إقامة الأجانب نصّت صراحة على ذلك.

كما نشير إلى ما نصّت عليه الفقرة الثانية من المادة الثالثة، لجهة إخضاع الاستفادة من تخفيض العقوبة لشرط إسقاط الحق الشخصي “في الجرائم التي يكون فيها المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026″؛ إذ نثير هنا مسألتين:

مسألة عدم جواز اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام المحاكم العسكرية، حيث يجب انتظار صدور حكم مبرم في الدعوى الجزائية، ليصار بعدها إلى الادعاء بالحقوق الشخصية أمام المرجع المدني المختص، بالاستناد إلى هذا الحكم.

ومسألة التفرقة غير المبررة بين اتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026 أو بعده. هذا فضلاً عن إثارة مسألة أخرى، وهي مبلغ التعويض الواجب حصول إسقاط الحق الشخصي بالاستناد إليه؛ فهل يكون المدعي الشخصي ملزماً بما طلبه في الأصل، أم يحق له زيادة هذا المبلغ لاحقاً في ضوء تطور الدعوى وبيان كافة تفاصيلها؟ علماً بأنه لا يجب إفساح المجال أمام المدعي لاستعمال هذا الإسقاط كوسيلة لابتزاز المدعى عليه؛ فالاقتراح لم يضع أي ضوابط على ذلك. وكان من الأجدى ألا يتم ربط الاستفادة من تخفيض العقوبة بالإسقاط الحاصل من المدعي، بل بدفع المدعى عليه التعويضات الشخصية المحكوم بها من المحكمة الناظرة في الدعوى.

في الخلاصة، نقول إنّ الغايات من هذا المقال هي الآتية:

  • الإشارة إلى أنّ الاقتراح المذكور ليس سوى تجسيد لمنهجية “التشريع على القياس”، وهي “ممقوتة” منهجياً في التشريع، فضلاً عن كونها إحدى صور التشريعات البيروقراطية المرفوضة.
  • الإشارة إلى شوائب اقتراح قانون العفو، حتى لا نقع في الخطأ مرتين عند إعادة محاولة وضع اقتراح جديد.
  • الإشارة إلى الإشكاليات الحقيقية المطروحة، بعيداً عن “النظريات الفارغة” والعناوين غير الدالة.
  • الإضاءة على “هزالة التشريع” وبُعده التام عن الحرفية التشريعية والمنهجية المطلوبة.
  • سقوط بعض النواب غير الملمّين بالقانون في أخطاء رتّبت نتائج سياسية سلبية على مستقبلهم السياسي والنيابي.
  • إنّ قصد واضعي الاقتراح باستيلاد قانون عفو عام “على القياس” كان واضحاً، بدليل استبعاد نقابة المحامين عن ورش إعداد الاقتراح وتعديلاته؛ فالنقابة لم تكن لتقبل بـ”تشريع على القياس”، وهذا ما أكده نقيب المحامين في أكثر من مناسبة.

وختاماً، نقول إنّ اقتراح قانون العفو، كما ورد في عنوان هذا المقال، ليس سوى “خياطة تشريعية” غير موفقة. ألم نتّعظ من الماضي؟ ولماذا لا يتكاتف أهل القانون لوقف هذه الممارسات التشريعية الخاطئة التي بلغت حدّ “المهزلة”؟!

يبقى في النهاية أن نشير إلى أنّ الأكثر استفادة من اقتراح قانون العفو هم “كبار تجار المخدرات”! ولو عاد الأمر إلينا، لأطلقنا عليه تسمية “اقتراح العفو عن كبار تجار المخدرات” من دون أي تردد! واجهوا الحقيقة أيها اللبنانيون ولو لمرة واحدة! إنّ في ذلك خلاصاً للبنان.

مقالات الكاتب

د. عبده جميل غصوب

دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.