الوطنية تحت ضي شاشة الفيسبوك

 

منذ أن هبطت الوطنية من المنابر إلى الموبايلات، ومن ميادين التحرير إلى غرف الجلوس، تبدّل وجهها. صارت وطنيتنا اليوم “بوستًا” جيد الصياغة، نعلّق عليه بالقلوب الحمراء والضحكات الصفراء، ثم نغلق الشاشة ونعود إلى صمتنا الموروث.

لم نعد نُقاتل من أجل الوطن، بل نحارب في التعليقات. نغضب من أجل العلم في “الرييلز”، ثم ننسى الألوان حين تُقطع الكهرباء عن البيت. في زمن الفيسبوك، أصبح كل مواطن مشروع واعظ وطني، يحدّثك من على المقهى الافتراضي عن حب الوطن، وهو نفسه الذي لا يتورع عن رمي القمامة من نافذة السيارة، أو عن إهانة البائع لأنه لم يعرف “مقام سيادته”.

الوطنية اليوم لا تُقاس بعرق الجبين، بل بسرعة الإنترنت وعدد المتابعين. هناك من يستيقظ كل صباح ليتوضأ بالإعجابات ويصلي ركعتي النشر العام، طالبًا الثواب في “الوطن الرقمي”.

في الماضي، كان الناس يخرجون إلى الميادين ليهتفوا، أما الآن فالهتاف يُكتب على لوحة المفاتيح. كلنا ثائرون في العلن الرقمي، وصامتون في الزحام الواقعي. أحدهم يضع على صورته علم بلاده، وآخر يكتب منشورًا عن حب البلد، ثم يهرب من دفع الضريبة أو من صوت الفقير. صار الوطن مجازًا عاطفيًا نمارسه بالرموز لا بالعمل.

نُشعل الشموع للوطن في خاصية “الستوري”، ثم نطفئها في الواقع ببلادةٍ تليق بعصرٍ يعيش فيه الناس على الضوء الأزرق للشاشات. لقد تحوّل الفيسبوك إلى منبر الجمعة الجديد، والمواطنون إلى “وعاظ المقاهي الإلكترونية”. كل واحد منهم فقيه في السياسة، ومحلل في الاقتصاد، وخبير في الوطنية، دون أن يعرف كم لتر ماء يهدره كل صباح، أو كم كلمة طيبة بخل بها على جاره.

يُجادل عن الديمقراطية وهو لم يمارسها في بيته، ويهاجم الاستبداد وهو يمارسه على أولاده وزوجته. إنها الوطنية التي تلبس قناع “التريند”، وتجلس على مقعد مريح أمام الكاميرا، بينما الوطن الحقيقي يقف في الطابور ينتظر دوره في الخبز والحرية والكرامة.

تبدو المفارقة مُوجعة: صرنا نعيش وطنًا رقميًا داخل شاشةٍ تُنير وجوهنا وتُطفئ أرواحنا. نُصفّق لصور الجنود على الإنترنت، ثم نتجاهل معاناة الأحياء منهم في الشوارع. نُشارك في “هاشتاغ” دعم الوطن، ثم نُهرّب الأموال إلى الخارج ونبحث عن تأشيرة.

الوطنية لم تعد سلوكًا، بل “فيلترًا” من فلاتر الميديا، يجمّل الوجه ويخفي التجاعيد والعيوب. لقد علّمتنا “السوشيال ميديا” أن نحب الوطن كما نحب المسلسلات الرمضانية: نتابعها بحماس، ثم نبدّل القناة حين تملّنا القصة. نمارس الوطنية على شكل محتوى ترفيهي؛ نبكي ونضحك وننتقد وننسى. أما الوطن، فبقي هناك، خلف الشاشات، ينتظر من يحبّه بعملٍ صادق لا بصورة معدّلة.

أيها الوعاظ الجدد، يا فلاسفة المقاهي الإلكترونية، يا من تعلنون حبكم للوطن كل مساء على الحائط الأزرق: الوطن لا يحتاج منشورًا، بل مواطنًا. ولا يريد خطبةً عن العدل، بل عدلًا يمشي في الأسواق. أما الوطنية التي تحت ضي شاشة الفيسبوك، فهي مثل قهوة المقهى الرقمي: رغوة كثيرة.. وطعم غائب…

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.