بين أحلامٍ نسجها خطابُ القسم، وتفاؤلٍ عزّزه بيانٌ وزاريّ وعد بالكثير، يرزح المواطن اللبناني اليوم تحت ثقل الوعود المنفية. فلا خطاب القسم سلك طريق التنفيذ، ولا البيان الوزاري نال نصيبه من الاهتمام الكافي. فالكلام ذاته يتكرّر عند كلّ استحقاق: إعادة الثقة بالداخل والخارج، تحسين نوعية الخدمات، مكافحة الفساد، النهوض بالإدارة العامة، والاهتمام بالبيئة… لكنّ النتيجة تبقى واحدة: شعارات رنّانة تفتقد إلى التنفيذ، ووعودٌ فارغة أنهكت صبر المواطنين.
منذ عقودٍ يسمع اللبناني الكلام نفسه، فيما الإنجازات تكاد لا تُذكر. نعم، تتبدّل الوجوه ويتغيّر اللاعبون، لكنّ الأزمات تبقى كما هي. المواطن اليوم يشعر بخيبة أملٍ متجدّدة، إذ لا شيء ملموساً قد تحقق، فيما القطار الحكومي متوقف عند مفترق القضايا السياسية الكبرى: حصرية السلاح، اتفاق وقف إطلاق النار، وشكل المفاوضات الموعودة، بينما تغيب الأمور المعيشية عن سلّم الأولويات تماماً.
الحديث عن محاربة الفساد تحوّل في وعي المواطنين إلى نكتة سمجة. فالفساد لم يتضاءل، بل ازداد شراسةً على وقع غياب هيبة الدولة وتقاعس الأجهزة الرقابية. تلك الهيئات التي وُجدت لتضمن الفعالية والنزاهة، خيّبت الآمال بأدائها الهزيل، إذ تمارس صلاحياتها وفق الحسابات السياسية لا وفق القوانين والأنظمة. ويكفي أن يتابع اللبناني برامج التحقيق التلفزيونية والصحفية ليدرك حجم الانتهاكات في جسد الدولة، وسط استعادة شبكات المصالح داخل النظام أنفاسها بقوة الدولة العميقة.
تتكشّف يومياً قصص عن تواطؤ بعض الموظفين في مؤسسة الكهرباء مع أصحاب المولدات الخاصة الذين تحوّلوا إلى “أثرياء جدد”. فالتيار الكهربائي الرسمي ينقطع ويعود وفق توقيتهم، فيما يدفع المواطن المعدم الثمن مضاعفاً: مرّة لشركة الكهرباء، ومرّة لصاحب المولّد. أما على الحدود الدولية او داخل المرفأ، فتستمر فضائح الفساد والتهريب المتفلّتة من كل رادع، إذ تُحكى عن حاويات تختفي وتخرج من المرافئ من دون إذن رسمي، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة. حتى الجامعة الوطنية نالت نصيبها من التزوير، ما يعكس عمق الترهل في مؤسسات الدولة واهتزاز صورتها في الداخل والخارج، وكأنّ على هذا الوطن الصغير أن يبقى أسير العجز والتسيّب.
في بلدٍ كانت إدارته العامة، حتى في سنوات الحرب، أكثر إنتاجية وشعوراً بالمسؤولية، باتت اليوم الكهرباء غاية صعبة المنال، والمياه تنقطع أياماً في عزّ الشتاء، والمستشفيات الرسمية تئنّ تحت ثقل الإهمال والعجز المالي. المواطن الذي ينتظر من المسؤولين تقديم أبسط مقوّمات الحياة، يواجه واقعاً مغايراً لوعود الحكومة: دولة مغيّبة، ومؤسسات يديرها فاشلون، وسلطة مفارقة للواقع المعيشي القاسي، وتفلّت إداري ومالي، ومحسوبيات في التعيينات، وتواطؤ واضح بين المصالح السياسية والاقتصادية.
والصراحة تقضي بالقول إنّ كلَّ عهدٍ أو حكومة يعِدان بالنهوض وإصلاح الإدارة العامة، لكنّ أفعالهما تعاكس أقوالهما. فالتعيينات تتم وفق مبدأ المحاصصة، والإنجاز رهين الروتين الإداري، والموظفون يعيشون بالحد الأدنى بعد فقدان الرواتب قيمتها الفعلية. ومع غياب التحفيز والاهتمام، فقد الموظف روحيته واندفاعه، وخسرت الإدارة ثقة المواطنين بها، فتحوّلت مؤسسات الدولة إلى بُنى خاوية تعجز عن مواكبة العصر.
لا شكّ أن الحكومة الحالية قد ورثت نتائج حربٍ ومعضلات مزمنة، لكنّ الأعذار لم تعد تقنع أحداً. فالمواطن لا تعنيه التبريرات بل الإنجازات الملموسة. يريد كهرباء تأتيه بانتظام، ومياهاً صالحة للاستخدام البشري، ودواءً متوفراً ومدعوماً، وعدالةً اجتماعية لا تميّز بين مواطنٍ وآخر. إنّ الاختراق الحقيقي في بناء الدولة يبدأ من توفير هذه المطالب المتواضعة، ومن خطواتٍ جريئة تبعث الأمل، وتعيد الثقة بالدولة ودورها.
لكنّ استمرار الفشل والإهمال ولّد لا مبالاة خطيرة لدى اللبنانيين، بحيث أصبح المواطن يتقبّل الفساد، وتجاوز القانون كأمرٍ واقع لا فكاك منه، ويعتبر غياب الخدمات حدثاً عادياً، وكأنّ الحاجة إلى الدولة قد انتفت. هذه اللامبالاة هي أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، لأنها تغتال روح المحاسبة والتغيير، وتُقعد الأفراد عن المطالبة بحقوقهم، وتحوّلهم إلى متفرّجين على سقوط دولتهم واندثار قيمها.
شرعية الحُكّام لا تُستمدّ من البيانات الوزارية ولا تُبنى في أروقة البرلمان فقط، بل تُكرّسها خدمة المواطن والالتزام بالدستور والقانون. واللبنانيون، الذين اعتادوا الصبر، بدأوا يفقدون حتى الأمل، لأن ما بين الوعود والواقع بونٌ يتّسع يوماً بعد يوم. وما يُنتظر من الحكومة اليوم هو أن تُبادر إلى تطبيق بيانها الوزاري بصدقٍ وجرأة، قبل أن تتحوّل إلى حكومة المهمة الواحدة، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
