إليسا تحرّض… ونجوى كرم هائمة في عالم الشعر

«صندوق فرجة» تغريدات الفنانين في لبنان

في الأزمات، تتجه الأنظار بطبيعة الحال نحو الشخصيّات العامة، وفي مقدّمتها الفنانون، بوصفهم فاعلين مؤثرين في تشكيل المزاج العام ورفع معنويّات الجمهور. غير أن هذا الدور يصبح أكثر تعقيدًا في السياق اللبنانيّ، حيث تتكرّر الأزمات وتتداخل أبعادها السياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، فتتحّول تغريدات الفنانين إلى مادة تحليليّة تكشف ما بين السطور من مواقف وهواجس.

ولا خلاف على أن الفنان هو مواطن له الحقوق الكاملة لأي مواطن، حقوق طبيعيّة وحقوق اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة، وأبرزها حقه بإبداء رأيه في الأمور العامة والقضايا الكبرى التي تهم شعبه ومجتمعه.

ولاستطلاع حقيقة موقف الفنان وطبيعته في هذه الظروف القاسية التي يمرّ بها وطننا لبنان الحبيب، اتصلنا بالدكتورة ليلى شحرور، المتخصّصة في علم النفس الاجتماعيّ والإعلام، وبالناقد الفنيّ الأستاذ عادل سميا للتوسّع في الموضوع واستجلاء جوانبه كافة، من خلال تحليل تغريدات الفنانين.

شحرور: الحياد الحذر

في هذا الإطار، تقدّم الدكتورة شحرور، قراءة تحليليّة لخطاب الفنانين على منصات التواصل، مشيرة إلى أن السمة الغالبة على معظم التغريدات هي الحياد الحذر، إلى جانب غياب التعبير العاطفي العميق.

وتوضح شحرور أن غالبيّة التعليقات جاءت بصيغ عامة ومقتضبة، أقرب إلى أداء واجب معنوي منها إلى تعبير صادق عن مشاعر متدفقة. وترى أن هذا النمط يعكس حالة قلق مزدوجة: من الحدث نفسه، ومن ردود فعل الجمهور في بيئة رقميّة شديدة الحساسيّة وسريعة الانتقاد.

نانسي عجرم ويارا: عموميّة واختزال

يتجلى هذا التوجّه في عدد كبير من التغريدات التي اكتفت بعبارات عامة من قبيل: “الله يحمي لبنان والدول العربية”، دون الخوض في تفاصيل أو إبراز موقف شخصيّ واضح. وتُصنّف شحرور هذا النمط ضمن ما تسمّيه “الخطاب العموميّ”، الذي يهدف أساسًا إلى تفادي التأويل والانتقاد.

ضمن هذا السياق، بدت تغريدة نانسي عجرم حياديّة إلى حد بعيد، أقرب إلى نص إنشائيّ يفتقر إلى التفاعل العاطفيّ المباشر، رغم حضور قلق ضمنيّ. وهو، بحسب شحرور، انعكاس لرغبة واضحة في الحفاظ على التوازن وتجنب الانخراط في مواقف حساسة.

أما يارا، فقدّمت نموذجًا لما يمكن وصفه بـ”تعليق الواجب”، حيث جاء خطابها مقتضبًا وخاليًا من التعبير العاطفي الواضح، وكأن دافع النشر كان أقرب إلى الإحساس بالضرورة منه إلى الرغبة في البوح.

هيفا وهبي ونجوى كرم: محاولات خجولة للأنسنة

في المقابل، ظهرت محاولات متفاوتة لإضفاء بُعد إنسانيّ على الخطاب. فقد استخدمت هيفا وهبي تعبيرات ذات طابع شخصيّ مثل: “الله يحمينا الليلة وكل ليلة” و”بلدي لبنان”، ما أضفى على تغريدتها مسحة وجدانيّة تعكس الخوف والانتماء.

وتلفت شحرور إلى أن استخدام مفردات مثل “بلدي” يشير إلى مستوى أعلى من الانخراط العاطفيّ مقارنة بالخطاب العموميّ. كما برز استخدام ضمير “نحن” في بعض التغريدات، في محاولة لخلق إحساس جماعيّ بالمصير المشترك، وإن ظل التعبير مقتضبًا.

أما نجوى كرم، فتميّزت نسبيًا عبر تغريدة أطول استحضرت رموزًا وطنيّة مثل الأرز والصمود، وقدّمت خطابًا أقرب إلى بثّ الأمل، ما جعلها أقرب إلى الدور التقليديّ المتوقع من الفنان في أوقات الأزمات.

كارين رزق الله وراغب علامة: تفاعل بلا مضمون

رغم هذا التفاوت، تشير شحرور إلى أن معظم التغريدات بقيت ضمن إطار الأمنيات العامة، كالدعاء والصلاة، دون أن ترتقي إلى مستوى الرسائل المؤثرة.

فكارين رزق الله، على سبيل المثال، عبّرت من خلال رموز بصريّة للحزن، كالشموع والصلاة، إلا أن خطابَها بدا “باردًا” نسبيًا، من حيث غياب العمق العاطفي. والأمر نفسه ينطبق على ماغي بو غصن، التي جاءت تغريدتها قصيرة ومحايدة، تفتقر إلى رسالة مباشرة.

أما راغب علامة، فأظهر تفاعلًا أكبر نسبيًا عبر استخدام ضمير “نحن” والدعاء للأبرياء، لكنه بقي ضمن إطار التعبير العام.

يوسف الخال: خطاب وطني واستحضار الرموز القومية

أما مقاربة يوسف الخال فكانت مختلفة، حيث اختار قصيدة جميلة لوالده الراحل يوسف الخال، مستحضرًا الرموز القوميّة في محاولة لرفع المعنويّات.

إليسا: التحريض المفضوح على الفتنة

على الضفة الأخرى، خرجت إليسا عن هذا الإطار الحذر، متبنية خطابًا ذا طابع سياسيّ مباشر، تضمّن انتقادات وتوجيهات صريحة. وترى شحرور أن هذا النوع من الخطاب يعكس وضوحًا في الموقف، لكنه في الوقت نفسه يبتعد عن الحياد، وقد يحدّ من قدرته على استيعاب مختلف فئات الجمهور.

بين التعبير والتمحور الذاتيّ

تشير شحرور أيضًا إلى أن بعض أشكال التفاعل، كالاكتفاء برمز القلب، تعكس عجزًا عن التعبير بالكلمات، لكنها تبقى محصورة في إطار المشاعر الفرديّة. وتضيف أن عددًا من التغريدات تمحور حول ذات الفنان، أكثر من تركيزه على معاناة الفئات المتضرّرة، لا سيما النازحين.

الخوف… العامل الحاسم

تخلص شحرور إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا في هذا الخطاب هو الخوف من ردود الفعل، سواء على شكل انتقاد أو تنمّر إلكترونيّ، إلى جانب حرص الفنانين على عدم خسارة جمهورهم المتنوّع.

هذا الواقع يضع الفنان أمام معادلة دقيقة:: إما التعبير الصادق بما يحمله من مخاطر، أو الحياد الآمن بما يحمله من برودة وتأثير محدود.

إذًا، تعكس تغريدات الفنانين في زمن الأزمات خطابًا متأرجحًا بين التعاطف والحياد، وبين الرغبة في الحضور والخشية من التبعات. وبينما ينتظر الجمهور رسائل تمنحه الأمل والقوة، يختار كثير من الفنانين الاكتفاء بعبارات متوازنة، تحمي صورتهم، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى الأثر العميق.

الناقد عادل سميا: بين حريّة التعبير وكلفة الموقف

في موازاة هذا النقاش، يؤكد الناقد الفني عادل سميا دعمه لحق الفنانين في التعبير عن آرائهم السياسيّة، معتبرًا أن ذلك جزء لا يتجزأ من دورهم الإنسانيّ والمجتمعيّ.

فهو يرى أن الفنان ليس كيانًا منفصلًا عن واقعه، بل هو انعكاس حيّ لنبض المجتمع، ومن غير المنطقيّ مطالبته بالصمت في لحظات مصيريّة. فالفن، تاريخيًا، لم يكن محايدًا، بل ارتبط بالقضايا الكبرى، وأسهم في تشكيل الوعي العام.

ويضيف أن الصمت في أوقات الأزمات قد يُفسَّر بوصفه تخليًا عن المسؤولية، في حين أن التعبير، رغم مخاطره، يعكس صدق الانتماء.

هل يدفع الفنان ثمن مواقفه؟

يُقرّ سميا بأن التعبير الصريح قد يؤدي إلى خسارة شريحة من الجمهور، لكنه في المقابل يعزّز مصداقيّة الفنان لدى فئات أخرى. وعلى المدى البعيد، تبقى الأصالة والصدق العاملين الأكثر تأثيرًا في العلاقة مع الجمهور.

ويختم بالتأكيد أن مطالبة الفنان بالحياد الدائم تفقده جوهره الإنسانيّ، لأن الفن، في نهاية المطاف، لا ينفصل عن الموقف، ولا يمكن للإنسان أن يكون محايدًا في كل القضايا، خصوصًا تلك التي تمسّ الكرامة والواقع اليوميّ.

هكذا يمكن تشخيص موقف الفنان ضمن جملةٍ من الاعتبارات المتداخلة، انطلاقًا من كونه شخصيةً عامة ذات قيمة اعتبارية، يحوز جمهورًا لبنانيًا عابرًا للطوائف الدينية والانقسامات السياسية والمحاور، ويمتد هذا الجمهور إلى الدول العربية، ولا سيما الغنية منها، التي توفّر لمعظم الفنانين فرص حضور لامع على شاشاتها ذات الانتشار الواسع. وفي ظل هذا الواقع، يجد الفنان نفسه أمام معادلة شائكة: هل يعبّر وجدانيًا عن تضامنه مع بلده الضحية، ومع أبنائه من الشهداء والجرحى والنازحين، أم يأخذ في الاعتبار طبيعة مواقف جهات الرعاية العربية للفنانين، ولا سيما في دول الخليج، التي تتبنى في بعض الأحيان موقفًا متحفظًا أو مناقضًا لاتجاهات الدفاع عن لبنان في مواجهة العدوان الصهيوني الإسرائيلي، وتُحجم حتى عن إصدار إدانات واضحة لما يتعرض له لبنان واللبنانيون؟

في مثل هذه الحالة، قد يميل الفنان إلى تبنّي موقف حذر، يوازن فيه بين مقتضيات التضامن الوطني ومتطلبات الحضور المهني، خشية أن يؤدي التعبير الصريح عن موقفه إلى خسارة ما يتمتع به من فرص الظهور والإنتاج الفني والإعلاني، أو إلى تراجع حضوره في الأسواق العربية المؤثرة، فيجد نفسه أمام خيار صعب بين الالتزام الوجداني تجاه وطنه، والحفاظ على موقعه المهني ومستقبله الفني.

مقالات الكاتب

ميراي برق

كاتبة وإعلامية.