إن مسألة “مصافحة المرأة الأجنبية” قد حُوصرت طويلًا ضمن الخطاب الفقهي التقليدي، بوصفها قضية أخلاقية أو حدودًا جنسية ينبغي ضبطها. غير أن إعادة النظر فيها من زاوية علم الاجتماع الديني تكشف عن أبعاد أكثر تركيبًا وتعقيدًا، حيث تتحول المصافحة إلى مشهد رمزي يُعبّر عن علاقة الدين بالمجتمع، وبالتحولات القيمية، وبأنماط الهيمنة الرمزية التي يُنتجها الخطاب الديني في الفضاء العام.
في علم الاجتماع، لا يُنظر إلى الدين كعقيدة خالصة فقط، بل كنسق اجتماعي يتقاطع مع البنية الثقافية والسلطة والعلاقات الاجتماعية. ومن هذا المنظور، فإن تحريم المصافحة ليس مجرد موقف ديني أخلاقي، بل هو تعبير عن بنية رمزية للتمييز الجندري، تتجلى عبر تفكيك العلاقة بين الجسد والقداسة، بين الطهارة والتواصل الإنساني.
إن الموقف الرافض للمصافحة ينبني غالبًا على تمثلات سلبية للجسد الأنثوي، الذي يتم تأطيره ضمن خطاب الفتنة والخطر الأخلاقي. فحسب هذا الخطاب، يتحول جسد المرأة إلى تهديد دائم، يجب تجنّبه والاحتياط منه، مما يعيد إنتاج منظومة من الضبط الأخلاقي التي تنقل العبء الأخلاقي للمرأة وحدها، وتُحوِّل العلاقة بين الجنسين من علاقة تفاعل إلى علاقة حذر وكبت. وهذا النمط من الخطاب لا يشتغل فقط كأحكام فقهية، بل كبنية ذهنية تُنظِّم الحس الجمعي وتُعيد تشكيل الوعي الديني داخل الجماعة.
من منظور إميل دوركايم، يُمكن القول إن تحريم المصافحة يُعبّر عن ما يسميه “القداسة السلبية”، أي تلك الطهارة التي تُنتج انفصالًا رمزيًا لا تواصليًا، وتؤسس لمسافة بين الذكر والأنثى بوصفها شرطًا للنجاة الأخلاقية. وهذا التصور الديني، وإن كان يحمل بعدًا طقوسيًا، إلا أنه لا يعكس بالضرورة حاجة أخلاقية، بل حاجة إلى إعادة إنتاج الهوية الجمعية، عبر التفريق بين “نحن” و”هم”، وبين “المتدين الحقيقي” و”المتهاون أو المتساهل”.
إن رفض المصافحة، من زاوية التحليل السوسيولوجي، لا يتعلّق بالمرأة بوصفها فردًا، بل بوصفها رمزًا يُوظَّف في صراعات رمزية حول الهوية والانتماء والطهارة. فالخطاب الديني المحافظ كثيرًا ما يُقيم حدوده الهوياتية عبر ضبط الجسد النسائي، في اللباس، في الصوت، وفي اللمس، باعتبار ذلك ساحة مركزية للتمايز عن “الآخر الغربي” أو “العلماني”. ومن هنا، تصبح المصافحة معيارًا دقيقًا لـ”الولاء الرمزي”، لا لأحكام شرعية مجردة، بل لهوية دينية تستمد معناها من الاختلاف القيمي لا من الفهم النصي.
لقد شهد العالم الإسلامي في العقود الأخيرة تصاعدًا لظاهرة “أسلمة السلوكيات اليومية”، حيث أصبحت المظاهر الصغيرة – كالمصافحة، والتحية، والاختلاط – مجالًا لتأكيد التدين. وهذا ما يُسميه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي”، حين تُفرض منظومة من المعاني والتصرفات على المجتمع بوصفها تمثّل الحقيقة الدينية، بينما هي في جوهرها انعكاسات لصراعات على رأس المال الرمزي داخل الفضاء الاجتماعي والديني. فتحريم المصافحة لا يُفهم فقط بوصفه رأيًا فقهيًا، بل كآلية لإعادة توزيع “شرعية التدين” بين الجماعات، وترتيب درجات الإيمان وفق طقوس رمزية.
علم الاجتماع الديني يكشف لنا أيضًا أن تحوّل الأحكام الدينية إلى مواقف حادة تجاه مظاهر التواصل الإنساني هو انعكاس لفقدان الدين لمساحته الكونية الشمولية، وانحباسه داخل هامش الهوية القلقة. فبدل أن يكون الدين أفقًا مفتوحًا للرحمة والعقل والإنسانية، يتحوّل إلى جهاز رقابي داخلي يُركّز على التفاصيل، ويُعيد إنتاج الذات المؤمنة ضمن مقولات الخوف والحذر والعزلة.
ولعل أحد أعمق التحليلات التي قدّمها ماكس فيبر للدين تتعلّق بعلاقته بالعقلنة. ففي تحليله لتحوّلات الفكر الديني، أشار إلى أن المجتمعات تمر من “السحر” إلى “التقنين” ثم إلى “العقلنة”. وفي حالة تحريم المصافحة، نلاحظ تراجع العقلنة لصالح تقنين طقوسي صارم، يُفرغ الممارسة من معناها الأخلاقي، ويحوّلها إلى مؤشر للهوية فقط. وهذا النمط يُعيد الدين إلى موقع السلطة الشكلية، حيث يصبح المظهر (كعدم المصافحة) أكثر أهمية من الجوهر (كاحترام المرأة).
أما من زاوية نظر مارسيل موس، فإن المصافحة فعل اجتماعي رمزي يُعبر عن التبادل والثقة والاعتراف المتبادل. رفض المصافحة هو إذًا رفض للاعتراف بالآخر كندّ إنساني، وهو ما قد يُنتج قطيعة في التفاعل الاجتماعي، ويُفضي إلى عزلة المسلم المعاصر داخل مجتمعات متعددة، لا تفهم هذا السلوك إلا بوصفه ازدراء أو إقصاء للجنس الآخر. وهنا تتجلّى المفارقة: فبينما يعتقد المتدين الرافض للمصافحة أنه يمارس طهارته الخاصة، قد يُفهم سلوكه اجتماعيًا كنوع من الغرور الديني أو العنف الرمزي الناعم.
لقد أصبح الجسد، في هذا السياق، أداة سياسية ودينية في آن واحد. فالجسد الذي يُمسّ أو لا يُمسّ هو الجسد الذي يُعرَّف دينيًا. ويكشف لنا ذلك كيف يتحول الدين إلى خطاب تحكّمي بالجسد، حيث لا يُسمح للفرد أن يُنتج علاقته الخاصة بالجسد والدين، بل عليه أن يلتزم بشروط الجماعة وتأويلها الأحادي. وهذا ما يتعارض مع التوجهات الحديثة التي ترى الدين تجربة فردية حرة، لا عقدة اجتماعية تُفرَض باسم الجماعة أو العرف.
ومن منظور المقارنة الثقافية، فإن المجتمعات التي تطوّرت فيها أشكال التحية الجسدية كالمصافحة والاحتضان – دون أن تؤدي إلى انحلال – تؤكّد أن الجسد ليس مصدرًا آليًا للفتنة، بل هو وسيط ثقافي يُنظّم عبر القيم والنيات. فتحريم المصافحة في مجتمعات حداثية قد يُنتج عنفًا ثقافيًا مضادًا، يعزل المسلم عن مجاله العمومي، ويُكرّس صورة نمطية سلبية عن الإسلام بوصفه دينًا قلقًا من التواصل.
إن دراسة تحريم مصافحة الأجنبية من منظور علم الاجتماع الديني تُخرج المسألة من قيد الفتوى إلى أفق أوسع: أفق الصراع الرمزي على الهوية، وعلى الجسد، وعلى الفضاء العام. فالمصافحة ليست مجرد لمسة يد، بل تمثيل لعلاقات القوة، والجندر، والانتماء. وتحويلها إلى محرّم ديني ليس بريئًا ولا نصيًا خالصًا، بل هو قرار اجتماعي محمول على أنساق سلطوية.
إن مقاربة كهذه لا تهدف إلى نفي الدين، بل إلى تحريره من التوظيف الأيديولوجي الذي يُحوِّله إلى طقوس رقابية على الفرد والجسد. وفي هذا السياق، فإن المصافحة التي تتم باحترام، ليست خطرًا أخلاقيًا، بل علامة على نضج اجتماعي، وإدراك أن الدين لا يُقاس بما لا يُفعل، بل بما يُبنى من جسور مع الإنسان الآخر.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
