في مدينة نيس العتيقة، حيث تتعانق الأرواح من عمق المعاني أو من تناقض منطق الحياة، ثمّة مقهى صغير تُنسب إليه تسمية «Bar de la Dégustation» يقع قبالة قصر العدالة والمعبد. منظر يتلامح لباصرة المارّة دارجًا، لكنّه يبدو عالمًا يجمع بين الجسد والروح والقانون ورغبةٍ عارمة بأن تنال الروح عدالتها. موقع المقهى الرمزيّ يضمّ المصير والروح والإنسان الجليّ.
المقهى: الملجأ اليومي
يُجسّد المقهى اللغة المتحرّرة من قيود المجتمع، حيث تختلط أنفاس البن صباحًا بأقداح النبيذ ليلًا. بين هذا وذاك، تنساب الأفكار غزيرًا، وينساب القدر كثيرًا. زد إلى ذلك أنّ المقهى يكتسب شكلًا محسوسًا للبيت، فيسقط الحدّ الفاصل بين الناس، ويضمّ التضارب البشري: الوحدة، المصادفة، التلاقي، الخطيئة والعفو، السعادة والأسى. ولكلّ وجودٍ مقهى، ولكلّ روحٍ روحٌ أخرى تلتقيها في المقهى.
المقهى يستحيل الإنسان نفسه، في المطلق كما في المجاز؛ هذا الحدّ الفاصل بين الأرض والسماء، بين الحياة وما بعد الحياة. يتذوّق هذا الإنسان وجوده متقصّيًا عن معنى لحياته، عن شيء يتشبّث به، عن روحٍ تنضمّ إليه، عن حلمٍ جديد يولد من داخله، عن قدرٍ لا يُشبهه قدر.
قصر العدالة: سلطة العدل الإنساني
قُبالة المقهى، تقف المحكمة متحجّرة بهيبتها القانونية تبثّ في جلّاس المقهى تذكيرًا أنّ ما دام في الحياة نفسٌ فميزان العدل قائم. إنّها إشارة العدالة الأرضية، وميزان الفعل. ما من شيءٍ يضيع، وكلّ شيء له أن يعود بطريقة أو بأخرى. وما دام الإنسان حيًّا فإنّه سيستردّ حقوقه كاملة.
الكنيسة: نداء العدالة السماوية
من ناحية المقهى يقف المعبد بصليبه الذي يتجاوز السماء، ليُذكّر جلّاس المقهى أنّه إذا لم تتحقّق عدالة الإنسان فعدالة الإله تظلّ قائمة. إنّه نداء الكنيسة، نداء الخالق المطلق.
المقهى بينهما: الإنسان بين العدل الإنساني والعدل الإلهي
هذا المثلّث الذي يضمّ المقهى والكنيسة وقصر العدالة ليس صدفة، بل قدرٌ كُتب بسحر ميزان الحياة. المقهى هو هذا المكان الثالث، منطقة العبور بين عدل السماء وعدل الإنسان. وحين تخذلك عدالة السماء تتّجه نحو عدالة الأرض، وإن خذلتك الاثنتان، صار جلوسك في مقهى «Bar de la Dégustation» عدلًا مؤجّلًا وعتابًا صامتًا للسماء والأرض معًا.
إنّه زائر المقهى نفسه، جليس البيت الدائم. كلّ فنجان قهوة يُقدَّم، وكلّ كأس نبيذ يُقدَّم هو عطية النسيان ودعوة إلى السكينة. وكلّ مقعد هو انتظارٌ لعدالةٍ ما، وتتلاقى الروح بمن يسكن ألمها.
المعنى المتواري
من يُلقي نظرة نافذة إلى «Bar de la Dégustation» بعين الروح، يعرف ضمنيًّا أنّه ما من صدفة في تلاقي الطاقات الثلاث: طاقة القانون (العدالة البشرية)، طاقة الإيمان (العدالة الإلهية)، وطاقة الإنسان (الحياة اليومية، التجربة، الترقّب). إنّه مكان ينبض بحياةٍ خفيّة وعدالةٍ مؤجّلة، كما لو أراد أن يهمس برسالةٍ إلى من يفهم لغته: بعد قسوة الظلم تولد رحمة العدل، وبعد ولادة العدل يأتي عناق الحياة. وزائر المقهى بين هذين المقامين ثابت كميزان الخلود.
المقهى، والكنيسة، وقصر العدالة: هذا المثلّث المقدّس الذي يجمع بين الجسد والروح وميزان العقل. في لغة الروح، معنى «الذوق» لا يشير إلى الشراب أو الطعام، بل إلى معرفة مكامن القلب والروح.
المقهى — وأشير هنا إلى «Bar de la Dégustation» — هو بيت الذوق؛ يشرب فيه الإنسان ويأكل كما يشرب ويأكل من كأس عدالة الخلق وعدالة البشر، متأمّلًا الوجود في حضرة رمزية كبرى.
كما الماء والنار متناقضان، تغلي القهوة بعدالةٍ مؤجّلة، وهناك يلتقي العبد بمقام روحه عندما تُختبر النوايا. من يلامس الصبر الصادق لا يعود يرهب تأخّر الأحكام، وذلك الوجه الصادق من القداسة.
في مقهى «Bar de la Dégustation» يقف زائر البيت في المنتصف بين عدالة السماء وعدالة القدر، ويتذوّق نفسه كما لو كان يتذوّق دواخله. فالمقهى طاقة توازن خفيّة تضمّ القانون والإيمان والإنسان دون قاضٍ يحكم ودون راهب يعظ.
لنُخلُص إلى القول إنّ الحرية الحقيقية لا تكون في المعبد ولا في قصر العدالة، بل في مقهى، في هذا المكان البسيط الذي يحكم بين ما هو مقدّس وما هو عادل. في مقهى «Bar de la Dégustation» تفهم نهاية ماهيّة الإنسان بين الخالق والناس، وترى وجهك الحقيقي الجميل كما لم تره قبل دخولك إلى المقهى.

ياسين الغماري
روائي وكاتب تونسي. حاصل على إجازة أساسية في المالية؛ ماجستير في التحليل المالي؛ ماجستير في إدارة المخاطر المالية، وMaitrise في الاقتصاد وادارة الموارد البشرية. أما في المجال الأدبي، فأصدر عدّة أعمال، منها رواية زمن التعب المزمن، ورواية الساعاتي: صانع الزمن، ورواية خديعة الخديعة، ورواية بنات النفس.
