لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير عن الرأي أو تبادل الأفكار، بل تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا مقلقًا، يكشف عن تراجع ملحوظ في مستوى الخطاب العام. فمن يتصفح التعليقات حول مختلف القضايا يلحظ بسهولة حجم التدنّي في أسلوب النقاش، وانتشار مفردات جارحة وعبارات لم يكن يُتصوَّر يومًا أن تُكتب علنًا من دون حرج أو مساءلة.
هذا التحول لا يمكن اختزاله في سبب واحد. فضعف الثقافة الحوارية لدى شريحة من المستخدمين يلعب دورًا أساسيًا، إذ يُنظر إلى الاختلاف في الرأي باعتباره تهديدًا شخصيًا، لا ظاهرة طبيعية وصحية في أي مجتمع حي. يضاف إلى ذلك طبيعة الفضاء الرقمي ذاته، الذي يمنح شعورًا زائفًا بالحصانة خلف الشاشات، فيُطلق البعض العنان للغة لا تشبه بالضرورة سلوكهم في الواقع.
ولا يمكن إغفال تأثير التراكمات الاجتماعية والسياسية، خاصة في المجتمعات التي عاشت، أو ما زالت تعيش، انقسامات حادة. فهذه الخلفيات تجعل من أي نقاش بسيط ساحة لتفريغ احتقان قديم، فيتحول الحوار إلى مواجهة، والرأي المخالف إلى خصم يجب إسكاته لا فهمه. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الانحدار في الخطاب أمرًا مألوفًا، بل ومقبولًا لدى البعض.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الكلمات القاسية، بل في ما تعكسه من تآكل تدريجي لقيم التعايش. فحين يصبح الاختلاف إهانة، يفقد المجتمع إحدى أهم ركائزه: القدرة على قبول الآخر. وعند هذه النقطة، لا يعود الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل يتحول إلى انقسام يهدد النسيج الاجتماعي.
التعايش، في جوهره، لا يُبنى على الاتفاق، بل على إدارة الاختلاف. وهو مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد قبل المؤسسات. فالفصل بين الفكرة وصاحبها، والالتزام بأدب الحوار، ورفض الانجرار إلى الإساءة، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في إعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للنقاش العام.
إن استعادة مستوى راقٍ من الخطاب لا تتطلب معجزات، بل وعيًا متراكمًا وسلوكًا يوميًا متسقًا. فكما انتشر هذا الانحدار تدريجيًا، يمكن أيضًا مواجهته تدريجيًا. وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة مسؤولية؛ إما أن تكون جسرًا للتواصل، أو أداة لتعميق الانقسام.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
