بعد أسبوع واحد من اندلاع الحرب، تستطيع إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتانياهو الادعاء بتحقيق عدد من الإنجازات المهمة. فقد تمكن البلدان من فرض سيطرة فعّالة على المجال الجوي الإيراني، كما تراجع مخزون إيران من الصواريخ الباليستية بدرجة كبيرة، وكذلك جزء كبير من قدراتها البحرية، وربما أيضًا جزء من برنامجها النووي. وإضافة إلى ذلك، لم يعد عدد كبير من القادة الإيرانيين الدينيين والسياسيين والعسكريين على قيد الحياة.
أما مستوى التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فبلغ درجة عميقة وغير مسبوقة. ومن نواحٍ كثيرة، يمكن فهم هذه الحرب بوصفها استمرارًا وتوسيعًا للجهود الإسرائيلية والأميركية خلال العامين الماضيين لإضعاف إيران في أعقاب هجمات 7 أكتوبر.
في المقابل، لجأت إيران إلى الاستخدام المكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أدت إلى اقتراب حركة شحن النفط والغاز عبر مضيف هرمز من التوقف. كذلك، شنّت هجمات وألحقت أضرارًا بأكثر من اثنتي عشرة دولة في المنطقة. ومع ذلك، فقد تمكنت من الصمود في وجه العاصفة، إذ ما زال النظام قائمًا ومسيطرًا على زمام الأمور رغم التأثيرات التدميرية لآلاف الصواريخ والقنابل الأميركية والإسرائيلية.
وقد ارتفعت أسعار النفط والغاز خلال هذا الأسبوع إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام، كما أصبحت أعلى مما كانت عليه عندما تولّى الرئيس ترامب منصبه قبل ما يزيد قليلًا على عام. كما تراجعت أسواق الأسهم. أما التكلفة العسكرية المباشرة للحرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فمن الصعب تقديرها بدقة، لكنها بلا شك تُقدَّر بمليارات الدولارات. وقد خسرت الأخيرة ستة من أفراد قواتها المسلحة. وليس من المستغرب أن تُظهر استطلاعات الرأي معارضة غالبية الأميركيين لهذه الحرب.
كما أن الولايات المتحدة وحلفاءها يستهلكون الأسلحة، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي، بمعدل غير قابل للاستمرار. وللتوضيح، فإن عدم الاستدامة هذا يعود إلى سببين. الأول، أن هذه الأنظمة تُستخدم بوتيرة أسرع بكثير من القدرة على تعويضها، نظرًا للقيود الشديدة على سرعة تصنيعها. أما السبب الثاني، فيتمثل في الفارق الكبير في الكلفة بين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية منخفضة الثمن وأنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية الباهظة الكلفة.
أما أهداف الولايات المتحدة من الحرب فما زالت غير واضحة، بل وأكثر من ذلك. فقد شملت هذه الأهداف القضاء التام (للمرة الثانية) على القدرات النووية الإيرانية، وتقليص قوتها الصاروخية الباليستية إلى أقصى حد ممكن، وإجبارها على تقليص دعمها للإرهاب ووكلائها الإقليميين، فضلًا عن إحداث تغيير في النظام. ومما يزيد من حالة الالتباس أن الهدف الأخير لم يُعرَّف بصورة ثابتة أو متسقة.
كيف وصلنا إلى هنا؟
كانت هذه حرب اختيار كلاسيكية، وليست حرب ضرورة. إذ لم تقدّم إدارة ترامب أدلة مقنعة على أن إيران شكّلت تهديدًا وشيكًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة يستدعي ردًا عسكريًا. إضافة إلى ذلك، فإن ما جرى تنفيذه يندرج ضمن الفئة المثيرة للجدل من الحروب الوقائية (preventive) لا الضربات الاستباقية (preemptive).
وعلى وجه الخصوص، لم تفسر الإدارة بما يرضي كثيرين — ومن بينهم كاتب هذه السطور — لماذا اختارت الهجوم بدل الاستمرار في المفاوضات. فمن الصعب التسليم بفكرة أن المفاوضات مع إيران لم يكن لها أي احتمال للنجاح في المسألة النووية، خاصة أن الإدارة نفسها، بل والمفاوضين أنفسهم تحديدًا، أظهروا صبرًا غير محدود واستعدادًا ملحوظًا لتقديم تنازلات عندما يتعلق الأمر بروسيا وعدوانها على أوكرانيا.
ويبقى السبب الذي دفع الإدارة إلى بدء الحرب في ذلك التوقيت لغزًا تحيط به ادعاءات متنافسة وغالبًا غير دقيقة. فقد سمعنا من الرئيس وفريقه أن إيران كانت على بعد أسبوع أو أسبوعين من امتلاك سلاح نووي، وأن الولايات المتحدة لم يكن أمامها خيار سوى مهاجمة إيران لأنها كانت ستهاجمنا حتمًا بعد أن هاجمتها إسرائيل، وأن فرصة اغتيال المرشد الأعلى وعدد كبير من القادة الآخرين كانت مغرية إلى درجة لا يمكن تفويتها.
ويرى مراقبون أن ترامب ربما اقتنع بأن النجاح في هذه الحرب سيكرّس إرثه بوصفه رئيسًا عظيمًا، أو أنه قد يشكّل وسيلة لصرف الانتباه عن مشكلات داخلية تتراوح بين فضيحة إبستين والأوضاع الاقتصادية. كما توجد أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن الرئيس أصبح مفرط الثقة في أعقاب التجربة الفنزويلية بشأن ما يمكن له وللجيش الأميركي تحقيقه في إيران، رغم الفروق العميقة بين البلدين.
وفي حالة إيران هذه، وبما يذكّر إلى حد بعيد بحرب العراق عام 2003، انتهكت الولايات المتحدة إحدى القواعد الأساسية للحرب، وهي: لا تهاجم بلدًا لا تفهمه على نحو كافٍ.
وبغض النظر عن الدوافع، فقد تمكن الرئيس من تنفيذ هذه السياسة بيدٍ شبه مطلقة. وليس هذا أمرًا جديدًا، إذ إن ما يسمى بـ”الرئاسة الإمبراطورية” أصبح حقيقة راسخة في الحياة السياسية الأميركية والسياسة الخارجية منذ أكثر من نصف قرن. إلا أن المختلف هذه المرة هو أنه صمّم هذه السياسة ونفذها مع قدر ضئيل من العملية المؤسسية الرسمية للأمن القومي، بعدما أمضى القسم الأكبر من العام الماضي في إضعاف جهاز الأمن القومي.
ماذا بعد؟
غالبًا ما تمتلك الحروب دينامياتها الخاصة، إذ يمكن لما يحدث خلالها أن يتجاوز الأسباب التي أدت إلى اندلاعها. فقد يؤدي سلوك أحد الأطراف إلى تغيير أهداف الطرف الآخر من الحرب، كما يمكن لنتائج العمليات العسكرية أن تعيد تشكيل تلك الأهداف. وتلعب السياسة الداخلية وتكاليف المعارك والتداعيات الاقتصادية أدوارًا مؤثرة كذلك.
ويزداد التنبؤ بمسار هذه الحرب صعوبة لأن هناك ثلاثة أطراف رئيسية فيها — الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران — إضافة إلى عدد من الأطراف الثانوية مثل السعودية وتركيا والصين وغيرها.
كما أن حالة عدم اليقين تتفاقم بسبب أن عملية صنع القرار في الجانب الأميركي غالبًا ما تتحدد وفق تفضيلات رجل واحد أكثر من كونها نتيجة عملية مؤسسية، وهو ما يزيد من مستوى الغموض، خصوصًا بالنظر إلى الشخص الموجود في موقع القرار اليوم.
السيناريوهات المحتملة
أحد السيناريوهات يتمثل في استمرار الحرب. وهذا هو بوضوح تفضيل الحكومة الإسرائيلية، التي تسعى إلى تقليص مخزون إيران من الصواريخ الباليستية أكثر فأكثر، وإضعاف حزب الله، وتحفيز قدر من التغيير في النظام الإيراني — أي ظهور قيادة عسكرية علمانية غير أيديولوجية.
أما تفضيلات إيران والولايات المتحدة فليست واضحة بالقدر نفسه، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها ما تزال في طور التشكل. فإيران لديها أسباب لإنهاء الحرب، منها تعزيز سلطتها الداخلية، والحفاظ على وحدة البلاد، وتجنب المزيد من إضعاف جيشها واقتصادها.
لكن لدى إيران أيضًا أسبابًا للاستمرار في القتال، إذ قد ترى أنها أكثر قدرة على تحمل كلفة حرب طويلة من الولايات المتحدة، التي تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية داخلية قد يصعب إدارتها، فضلًا عن أولويات دولية أخرى. وقد يمنحها ذلك نفوذًا تفاوضيًا أكبر مما قد توحي به نتائج المعارك.
هل يجب استمرار الحرب؟
مع ذلك، فإن الحجة الداعية إلى استمرار الحرب لأسابيع أو أشهر إضافية تبدو ضعيفة. فإدارة ترامب بدأت تواجه عائدًا عسكريًا متناقصًا مقابل تكاليف سياسية واقتصادية داخلية متزايدة.
صحيح أن العمليات العسكرية المستمرة قد تقلص القدرات العسكرية الإيرانية أكثر، لكنها لا تستطيع القضاء عليها بالكامل. فبضع طائرات مسيّرة أو صواريخ فقط قد تكون كافية لإحداث أضرار جسيمة في مصافي النفط أو محطات معالجة المياه في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة.
كما أن التاريخ يعلّمنا مرارًا أن القدرات العسكرية يمكن إعادة بنائها بعد انتهاء الحرب.
الخلاصة
في الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب سيؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا الأميركيين، وسيتعارض مع استراتيجية الأمن القومي التي أعلنتها الإدارة نفسها، وسيضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تحديات أمنية في مناطق أخرى من العالم، فضلًا عن إلحاق ضرر حقيقي بالاقتصاد الأميركي.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ليس هذا المشهد مما يرغب هذا الرئيس في رؤيته. كما أن وصوله إلى هذه المرحلة دون تقديم تفسير علني كافٍ أو التشاور مع الكونغرس يزيد من هشاشته السياسية.
وعلاوة على ذلك، لا يوجد سبب قوي للاعتقاد بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى تغيير النظام في إيران إذا كان المقصود بذلك قيام نظام ديمقراطي أو ما يقاربه. وحتى الآن، لم نشهد الانشقاقات الواسعة داخل المؤسسات الأمنية والسياسية التي قد تمهد لمثل هذا التحول.
وفي المقابل، قد تكون الإدارة في وضع يسمح لها بإعلان “إنجاز المهمة” والقول إنها حققت أهدافها العسكرية، وأنها فعلت كل ما يمكن أن يُتوقع بشكل معقول من طرف خارجي لدفع إصلاح سياسي داخلي.
ففي الحروب، كما في كثير من الأمور الأخرى، قد يكون “الجيد بما يكفي” أفضل من السعي إلى “الأفضل” الذي قد يكون غير متاح ببساطة.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
