لا تزال الأحكام المتعلقة بمجلس التأديب في نقابة المحامين غير معروفة بالكامل لدى الغالبية العظمى من رجال القانون، خصوصاً لجهة كيفية تشكيله، وعمله، وصلاحياته، والمراجعات بشأنه وبشأن قراراته. لذلك، سوف نحاول، وبشكل مبسّط، شرح بعض الأحكام المتعلقة به، تعميماً للفائدة.
معلوم أن رسالة العدالة لا تتحقق إلا بسلوكية معيّنة إيجابية الطابع، إذ يُعتبر المحامي من نخبة المجتمع ومن حماة القانون، وتبعاً لذلك يتعيّن عليه أن يتمتّع بحسن الآداب وطيب السمعة في جميع الأعمال، ويُفترض عليه أن يسلك الطرق والوسائل القانونية في كافة الظروف، بحيث إنه إذا أخلّ بتلك المبادئ، سواء في معرض ممارسة المهنة أو خارجها، تعرّض للمساءلة المسلكية.
من هنا، أعطى قانون تنظيم مهنة المحاماة صلاحيات واسعة جداً لنقيب المحامين في ما يتعلّق بتأليف مجلس التأديب، وبالتحقيقات، وبإحالة المحامي أمامه أو عدم إحالته، من دون أن يكون هناك أي طريق من طرق المراجعة بهذا الخصوص، اللهم إلا بعد صدور القرار عن مجلس التأديب، أو إذا ورد طلب ردّ أعضاء مجلس التأديب أو أحدهم، عند وجود سبب من أسباب ردّ القضاء المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات. واللافت، بحسب نص المادة 97 من القانون، أن مجلس النقابة هو الذي ينظر في طلب الردّ ويفصل فيه وفقاً لأصول ردّ القضاة.
كتبنا في مقالات سابقة حول كيفية تأليف مجلس التأديب من قِبل نقيب المحامين العامل، والذي قد يكون مؤلفاً من غرفة واحدة أو من عدة غرف، ومن يترأسه، وكيفية وشروط اختيار الرئيس والأعضاء، ووجوب ارتداء روب المحاماة من قبل هيئة المجلس والمحامي المُحال ووكيله، وكذلك إجراء المحاكمة بصورة سرّية، وعدم أحقية المدّعي أو الشاكي، أساساً، في حضور الجلسات إلا إذا قرّر المجلس الاستماع إليه.
كما كتبنا عن قابلية الأحكام الوجاهية التي تصدر عنه للاستئناف من قِبل المحامي أو النيابة العامة الاستئنافية خلال عشرة أيام تلي التبليغ. في حين أن الأحكام التأديبية الصادرة بصورة غيابية فتقبل الاعتراض ضمن مهلة عشرة أيام تلي تبليغ الحكم شخصياً للمحامي أو بواسطة كتاب مضمون مع إشعار بالوصول.
والمفارقة المهمّة أن البعض يسأل عمّا إذا كان يمكن للنقابة، وبالتالي للنقيب، استئناف قرار مجلس التأديب إذا حكم ببراءة المحامي أو بعقوبة قد لا تعجب النقيب. والجواب، طبعاً، هو سلبي، إذ إن النقيب قد يترأس شخصياً مجلس التأديب من جهة، ومن جهة أخرى يكون القرار صادراً عن مجلس مؤلَّف من قبله، فكيف يمكنه أن يستأنف قراراته إذا لم تعجبه؟
مع العلم أيضاً أن النقيب، بعد أن يُحيل المحامي أمام مجلس التأديب، لا يحق له أن يتدخّل في أعمال هذا المجلس أو أن يعطي توجيهاته المتعلّقة بالملف تحديداً، إلا أنه يمكنه إعطاء توجيهات عامة لجميع الغرف، كما فعل في التعميم الذي أصدره بتاريخ 10/1/2022، والمتعلّق بوضع يد مجلس التأديب على الملف، وفي مرحلة ما بعد الإحالة أمامه، وفي أصول المحاكمة لديه، وفي وصف الفعل، مع التشديد أخيراً على أن مجلس التأديب يتمتّع بالحرية الكاملة في اتخاذ القرار المناسب على ضوء قناعته القانونية والواقعية.
يبقى أن نشير إلى عدة نقاط أساسية يطرح العديد من رجال القانون الأسئلة بشأنها:
- النقيب هو الذي يقرّر التحقيق شخصياً أو إحالة الشكوى أو الإخبار أمام عضو مجلس نقابة حالي أو سابق للتحقيق، وتنظيم تقرير موضوعي (Objectif). وهذا أمر قد يقع فيه البعض، فيُبدي رأيه بشأن الإحالة أو عدم الإحالة أمام مجلس التأديب، إلا أننا نرى أنه يقتصر دوره فقط على التحقيق وتنظيم تقرير بالوقائع ومجريات الأمور، من دون أن يعطي رأيه للنقيب حول الإحالة أو عدم الإحالة أمام مجلس التأديب.
- النقيب هو الذي يقرّر الإحالة أو عدم الإحالة، كما له أن يكتفي بتوجيه تنبيه شفهي أو خطي للمحامي. بل أكثر من ذلك، قد ينظّم المقرّر تقريراً يبدو من مضمونه أن رأيه هو الإحالة، أو قد يكتب في تقريره (مع أننا أشرنا إلى أنه لا يجب أن يكتب ذلك) أنه يرى إحالة المحامي أمام مجلس التأديب أو أنه لا يرى وجوب إحالته، إلا أنه يعود للنقيب وحده أن يقرّر هذا الأمر، سواء بالإحالة أو بعدم الإحالة.
- طرح عليّ عدد من الزملاء ما إذا كان قرار النقيب بالإحالة أمام مجلس التأديب قابلاً للاعتراض أمام مجلس النقابة أو قابلاً للاستئناف، والجواب طبعاً هو سلبي. كما طرح البعض إمكانية الإحالة إذا وضع المجلس يده على ملف متعلّق بارتكاب محامٍ جرماً جزائياً أو جرماً مسلكياً أثناء نظر المجلس في ملفه. هنا أيضاً لا صلاحية للمجلس بالإحالة، بل إن هذا الأمر يعود حصراً إلى النقيب. وعملياً، إذا عرض مفوّض قصر العدل ملفاً تبيّن منه أن المحامي ارتكب جرماً جزائياً أو جرماً مسلكياً، فإنه يعود للنقيب أن يطلب منه تنظيم تقرير مسلكي بهذا الخصوص لاتخاذ الإجراء اللازم، سواء بإحالته أمام مجلس التأديب إذا كان مفوّض القصر قد استمع إليه وحقق معه في هذا الشأن، أو بإحالته للتحقيق والاستماع إليه من قبل عضو مجلس نقابة حالي أو سابق، تمهيداً لاتخاذ الإجراء المناسب. كذلك الأمر، قد يعرض مقرّر التدرّج أو مقرّر الجدول العام ملفاً متعلّقاً بمحامٍ يتبيّن أنه ارتكب مخالفة مسلكية، وهنا أيضاً لا يحق للمجلس الإحالة أمام مجلس التأديب، بل يعود ذلك إلى النقيب شخصياً، وإن كان المجلس يرفع أحياناً توصية إلى النقيب بهذا الخصوص.
أما بالنسبة للافتراء أو لإمكانية الادعاء على من قام بالتحقيق أو على هيئة مجلس التأديب، أو حتى بما يتعلق بالتسرّع في الادعاء أو بأمور أخرى، سوف نستعرض عدة نقاط تمهيدًا لاقتراح الحلول:
- عندما يشتكي الشاكي أمام النقابة ويقدّم شكوى بحق المحامي، ومعظمها، حسب خبرتي، غير جدّية، تُسجَّل الشكوى في سجل النقابة وتُنزل على خانة المحامي، وتبقى مدوّنة مدى العمر. وهذا يعني أنه إذا أرادت جهة معيّنة أو شخص معيّن إرهاق سجل المحامي بالشكاوى الكيدية، يتقدّم بالشكوى وهو يعلم مسبقًا أنها غير صحيحة، أو من أجل الضغط على المحامي ليقدّم له تنازلات معيّنة. من هنا، كنت قد اقترحت، ولا يزال الاقتراح قائمًا، ألّا تُسجَّل الشكوى إلا بعد اطّلاع النقيب عليها (أو قد يكلّف عضو مجلس نقابة حاليًا أو سابقًا للاطلاع عليها). فإذا وجد أنها جدّية أو قريبة من الجدية وتحتاج إلى تحقيق لمعرفة التفاصيل والمعطيات، تُسجَّل، وإلا يُرفض تسجيلها. هذا أمر حصل مع أحد المحامين أيام زمان، عندما تقدّم بشكوى جزائية أمام النيابة العامة الاستئنافية في بعبدا، فرفض القاضي الكبير موريس خوّام تسجيلها، معتبرًا أن الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليه هي أفعال مدنية، وأن القصد من الشكوى هو الضغط عليه. وهذا ما طالبنا به في عدة مقالات سابقة، بألّا يتم تسجيل الشكوى تلقائيًا إلا بعد موافقة المدعي العام على ذلك.
- عندما يتم تسجيل الشكوى، كما قلنا أعلاه، تُنزل على خانة المحامي. فإذا طلب إفادة، سوف يظهر فيها أن هناك شكوى أو عدة شكاوى بحقه. وهذا أمر يدعو إلى إعادة النظر بهذه الآلية، بحيث تصبح كالسجل العدلي، بمعنى أن تُشطب عن سجله إذا تبيّن أنه لم يرتكب الجرم المسلكي، وتبقى مدوّنة في ملفه للعلم فقط. فإذا طُلبت إفادة، لا تظهر فيها.
- المؤسف في الأمر أنه إذا تقدّم أحدهم بشكوى مسلكية ضد محامٍ، وجرت المحافظة عليها من قبل النقيب، أو أُحيل المحامي أمام مجلس التأديب وتثبّتت براءته، أو إذا حكمه مجلس التأديب واستأنف أمام محكمة الاستئناف الناظرة في الدعاوى النقابية، ففسخت قرار مجلس التأديب وأعلنت براءته، فإنه لا يستطيع أن يلاحق الشاكي أو المخبر أو النقابة. نحن نعلم أنه لا يمكن القبول بالمطالبة بالعطل والضرر من النقابة أو النقيب أو المحقّق أو مجلس التأديب، وإلا امتنع أي محقّق عن التحقيق، وامتنع النقيب عن الإحالة، وامتنع مجلس التأديب عن الحكم. وهذا أمر شبيه بالمحكمة التي تحكم، أو بالنيابة العامة التي تدّعي، إذ لا يمكن ملاحقتها في حال حفظ الملف من قبل المدعي العام، أو إعلان براءة المدعى عليه أمام المحكمة. من هنا، اقترح عليّ أحد الزملاء إلزام المدّعي أو الشاكي في الشكوى المسلكية بوضع مبلغ من المال يُدفع للمحامي الذي تُحفَظ الشكوى بحقه أو يُعلن مجلس التأديب براءته. وهذا أمر، عدا عن كونه بحاجة إلى نص تشريعي، قد يخضع لمزاجية التقدير، وقد يمنع الشاكي الذي يكون على حق من تقديم شكواه.
- يبقى الحل في دراسة الشكوى قبل تقديمها، وفي الاعتماد على حكمة ورصانة وبُعد نظر النقيب، المجرّد عن أي غايات، وعدم تسرّعه قبل إحالة المحامي أمام مجلس التأديب.
إن الأحكام والإجراءات أمام مجلس التأديب متشعّبة ومعقّدة، لذلك يقتضي مقاربتها بدقّة وعناية، حتى لا يعرّض المحامي نفسه للملاحقة المسلكية، أو يرتكب أخطاء إجرائية في هذا الخصوص.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
