تتحوّل طاولات التفاوض، في لحظات التاريخ الحرجة، من مجرّد مساحة لتبادل الأوراق السياسية إلى ميادين مفتوحة لاختبار المعادن الإنسانية، حيث لا تعود الغلبة فيها لمن يمتلك الترسانة الأضخم، بل لمن يحمل في حقيبته وضوحاً مبدئياً لا يقبل الكسر.
ولعلّ في تجربة الوفد الفيتنامي الذي حلّ ضيفاً على باريس في أواخر ستينيات القرن الماضي ما يُجسّد هذا المعنى بأبهى صوره. فبينما كانت أضواء العاصمة الفرنسية تتلألأ ترحيباً بالدبلوماسيين، اختار هؤلاء المقاتلون القادمون من عمق الأدغال أن يضربوا حول أنفسهم سياجاً من الزهد الأخلاقي والانضباط المعنوي، مدركين بحسّهم الفطري أنّ نعومة المقاعد الدبلوماسية قد تسبق ليونة المواقف السياسية، وأنّ من اعتاد صلابة الأرض في خنادق “هانوي” وتحت أزيز الطائرات لا ينبغي أن يُغريه بريق الثريّات ولا فخامة الأثاث في قاعات قصر “الإليزيه”.
ارتبطت حكاية الصمود الفيتنامي بتفاصيل صغيرة بدت للبعض آنذاك مجرّد مبالغات في “البروتوكول الثوري”، لكنها كانت في جوهرها رسائل استراتيجية لتحصين الوعي، ورسائل سياسية مشفّرة موجّهة بدقة إلى البيت الأبيض ومراكز القرار العالمي، حيث رفض الوفد الفيتنامي التنقّل في السيارات الفخمة، والإقامة في الفنادق الفاخرة.
لقد أدرك أولئك المفاوضون أنّ الاستعمار لا يدخل الأوطان عبر الحدود الجغرافية فحسب، بل يتسلّل إلى النفوس عبر بوابة “التطبيع العاطفي”، حيث يبدأ التنازل بابتسامة مجاملة في غير محلّها، أو بقبول رفاهية لا تتناسب مع وجع الأرض التي لا تزال تحت وطأة القصف، ليتّسع هذا الخرق تدريجياً حتى يصبح ثقباً أسود يبتلع جدار القضية برمّتها.
لقد بنى الفيتناميون فلسفتهم التفاوضية على مبدأ “توازن الإرادات” لا “توازن الماديات”. ففي الوقت الذي كان فيه ميزان القوة العسكرية يميل بشدّة لصالح الولايات المتحدة، كان الفيتناميون يرمون بثقلهم الأخلاقي على الطاولة. كانوا يدركون أنّ التفاوض الذي بدأ في أيار عام 1968 هو معركة من نوع آخر؛ معركة سلاحها الصبر، وأداتها الحفاظ على نقاء الهدف.
هذا الصمود لم يكن نابعاً من رغبة في الانعزال، بل من إدراك عميق بأنّ الإنسان لا يتنازل عن مواقفه مجاناً، ولا يبيعها دفعة واحدة في مزاد علني.
وعند التمعّن في مسار تلك السنوات الطويلة التي تُوّجت باتفاقية باريس للسلام في 27 كانون الثاني عام 1973، نكتشف أنّ الانتصار الحقيقي لم يكمن فقط في الصياغات القانونية التي قضت بانسحاب القوات الأميركية، بل في فشل الماكينة السياسية الكبرى في تدجين الشخصية الفيتنامية أو إغراء ضميرها بالمساومة.
إنّ الدرس الأسمى الذي تتركه هذه الحقبة للتاريخ هو أنّ الشعوب التي تمتلك “الوضوح الداخلي” هي وحدها القادرة على الصمود أمام العواصف العاتية. فحين لا تُشترى الضمائر، تصبح كل محاولات الالتفاف السياسي كمن يحرث في البحر.
لقد أثبتت فيتنام أنّ خسارة مواردها وتدمير بنيتها التحتية خسائر يمكن تعويضها بمرور الزمن والعمل الجاد، أمّا الهزيمة الحقيقية التي لا قيام بعدها، فهي الهزيمة النفسية التي تبدأ حين يقبل الإنسان أن يقايض مبادئه بكرسي مريح أو حياة مستقرة على حساب قضية عادلة.
لقد خرج المفاوض الفيتنامي من قصر الإليزيه بالبذلة البسيطة ذاتها التي دخل بها، وكأنّه لم يمرّ عبر ردهات الترف. لم تكن تلك البذلة مجرّد قطعة قماش، بل كانت درعاً أخلاقياً وعهداً لم يتبدّل.
ومع البذلة، كان حذاؤه الذي وطئ بلاط القصور هو ذاته الحذاء الذي حمل غبار الخنادق الوعرة وتضاريس النضال القاسية؛ حذاءٌ لم ينزلق بفعل إغراءات “الحياة المخملية”، ولم يُغره بريق التلميع الزائف.
لقد غادر باريس محتفظاً ببوصلة أخلاقه، ليُثبت للعالم أنّ الانتصار الحقيقي يبدأ بصلابة المبادئ قبل حسم المعارك، وأنّ من يملك حذاءً يعرف طريقه جيداً، لن تُضلّه السجادة الحمراء مهما امتدّت وطالت.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
