«جدار صوتٍ» في حرب نفسية مفتوحة وسماء مخروقة

أضحى دويّ خرق حاجز الصوت فوق بيروت فصلاً متكرّراً من فصول “حرب الأعصاب”، وأداةً مدروسة ضمن منظومة متكاملة من أدوات الصراع غير المباشر في المنطقة. فهذه الممارسات التي ينفّذها الطيران الحربي الإسرائيلي تتجاوز، في جوهرها، فكرة تدريب طيارين جدد في سماء مفتوحة، لتتحوّل إلى توظيفٍ بارد ومحسوب في سياق إدارة التوتر، حيث يندرج هذا السلوك ضمن إطار “حرب الرسائل” أو ما يُعرف عسكرياً بـ”عمليات التأثير منخفضة الحدّة”.

من منظور استراتيجي، لا تخرج هذه الطائرات لاختبار دفاعات جوية يعلم الجميع محدوديتها في الساحة اللبنانية، بقدر ما تسعى إلى تكريس معادلة “التفوّق المطلق”. هنا، لا يُنظر إلى الصوت بوصفه ناتجاً فيزيائياً لتجاوز سرعة (Mach 1) فحسب، بل يُتعامل معه كـ”ذخيرة غير مرئية”. إنها عملية “محاكاة للانفجار” (Simulated Explosion)، تهدف إلى وضع الجهاز العصبي للسكان في حالة استنفار دائم، وتحويل المجال الجوي اللبناني إلى ساحة تدريب حيّة يُراد منها تثبيت قواعد اشتباك غير معلنة، وتعزيز صورة الردع من خلال حضورٍ عسكري طاغٍ لا يواجه أي تهديد مباشر.

وفي عمق هذا المشهد، تبرز الطلعات الجوية كأداة ضغط نفسي مركّزة، وخرقٍ واضح لسيادة الدولة. فالانفجارات الصوتية المفاجئة التي تهزّ جدران المنازل في المناطق المكتظّة ليست سوى محاولة لنقل القلق من الجبهات الحدودية إلى العمق المدني. والهدف هنا واضح: “التأثير في البيئة الحاضنة”، وتحويل الهدوء إلى مسرح للترهيب المنهجي.

إن اختيار العاصمة بيروت، بمركزيتها السياسية والرمزية، هو قرار محسوب لتعظيم الأثر المعنوي والنفسي. أما من الناحية القانونية، فيمثّل هذا السلوك نوعاً من “العقاب الجماعي” الذي يتعارض مع روح الاتفاقيات الدولية، إذ يُستخدم الترهيب الصوتي كأداة لزعزعة استقرار مجتمع مدني بأكمله، فيتحوّل “الحق في السكينة” إلى ترفٍ مفقود تحت وطأة هدير المحركات النفاثة.

ويرتبط هذا “العرض الجوي” في توقيته غالباً بنبض الغليان الميداني أو بسياقات دبلوماسية معقّدة، فتتحوّل السماء إلى منصة لإرسال إشارات متعددة المستويات. إقليمياً، يمثّل هذا السلوك نموذجاً لما يمكن تسميته بـ”التصعيد المنضبط عالي التأثير”، حيث تُستخدم أدوات صاخبة “غير مميتة” تقنياً، لكنها تترك ندوباً نفسية عميقة، لا سيما لدى الأطفال الذين باتوا يربطون بين السماء والخطر الوشيك، في مشهد يندرج ضمن اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، التي تعيد فتح جراح انفجارات سابقة لم تندمل بعد.

يبقى خرق حاجز الصوت سلوكاً محسوباً بدقة ضمن استراتيجية مركّبة تجمع بين الاستعراض العسكري، والتدريب العملي، والضغط النفسي المتواصل. إنها حرب لا تنتظر سقوط القذيفة، بل تبدأ بصداها، حيث تتحوّل المحركات النفاثة إلى أقلام تكتب رسائل قوّة بحبرٍ من صخب، في فصلٍ عنوانه العريض: الحرب النفسية المفتوحة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.