هل يمكن لحرب أن تنتهي دون أن ينتصر فيها أحد؟ هذا ما تطرحه المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة – إسرائيل وإيران، حيث خرج لبنان كـ”عقدة التسوية”، لا كساحة هامشية.
في خضم العاصفة الإقليمية التي أطلقها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لدى إعلانهما الحرب على النظام الإيراني، لم تكن صفارات الإنذار في تل أبيب وحدها من أحدثت الضجيج، بل كان أعلى منها صوتُ انهيار المقولة التي راهنت عليها واشنطن طويلاً: أن الضغط الأقصى والعزلة سيسقطان النظام الإيراني. بعد 46 يوماً من الحرب المفتوحة بين “محور المقاومة” والتحالف الأميركي – الإسرائيلي، لم يسقط نظام طهران، بل انكشفت واشنطن منعزلة، وخرجت إسرائيل بخيبة استراتيجية لم تشهدها منذ حرب تموز 2006، رغم الدمار الكبير الذي خلّفته.
المفارقة أن لبنان الصغير لم يكن هذه المرة مجرد ساحة، بل “عقدة الحل” التي أوقفت انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، وأجبرت ترامب على إطلاق تغريدة أعلن فيها هدنة العشرة أيام، في اعتراف ضمني بأن إسرائيل لم تكن الطرف القادر على فرض شروطه.
عزلة ترامب: لوبي أم أزمات؟
الانطباع الأول الذي تتركه تغريدة ترامب الأخيرة حول “وقف الأعمال العدائية لمدة 10 أيام في لبنان” هو أنها لم تكن قراراً استراتيجياً بقدر ما كانت صرخة رجل “محشور”. فبينما يجري الحديث عن انتقال القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط إلى إسرائيل بوصفه “تطبيعاً للدفاع المشترك”، كان ثمة تأكيد في مواقف الدبلوماسيين الأوروبيين والخليجيين على أن واشنطن تقاتل وحدها.
فدول الخليج غير معنية بحرب ترامب على النظام الإيراني، وأوروبا تتهرّب، فيما تراقب الصين وروسيا المشهد عن كثب. والأكثر إحراجاً أن ملف إبستين وفضائحه أضعف قدرة الرئيس على تسويق أي مغامرة جديدة، وبات اللوبي الصهيوني وحده يدفع نحو التصعيد.
الجميع يرى أن ترامب تحت الضغط، لكن الشعوب – كما تثبت إيران ولبنان – ليست جميعها قابلة للانهيار تحت وطأة الحصار والحرب.
إيران أعلنتها بلا خجل: لبنان أولاً
الدرس الأكبر الذي قدّمته طهران في هذه الحرب هو رفعها الغطاء عن المعادلة التي ظلّت لعقود حبيسة الغرف المغلقة: ساحة لبنان ليست مجرد وكيل، بل هي الحليف الاستراتيجي الأقوى، والورقة التي ربطت بها كل ملفات المفاوضات. صرّحت طهران علناً: لا اتفاق حول اليورانيوم، ولا فكّ للحصار في مضيق هرمز، ولا إغراءات تأتي من الإفراج عن الأموال المجمّدة، من دون وقف الحرب في لبنان.
هذا التصريح، الذي بدا وكأنه تقليل من شأن الخطر النووي الأكبر، كان في الحقيقة اعترافاً بأن الجغرافيا الصغيرة قد تصنع استراتيجية كبرى. فالميدان اللبناني أثبت أنه القادر على جرّ إسرائيل إلى مستنقع لا تشبهه أي جبهة أخرى، بفضل تضاريسه، وبيئته الحاضنة، وقدرة حزب الله على تحويل الدمار إلى رصيد سياسي.
إسرائيل لم تحقق الإنجاز بل وجدت العقدة
على الورق، وبالواقع الملموس، دمّرت إسرائيل أحياءً كاملة في محافظات الجنوب والضاحية الجنوبية، وشرّدت مئات الآلاف. لكن، بالمفهوم الاستراتيجي، لم تحقق أيّاً من أهدافها المعلنة: فلم يُنزع سلاح حزب الله، ولم يُبعد إلى شمال الليطاني، ولم تُحطَّم قدرته على إطلاق الصواريخ.
حتى الصحافيون الإسرائيليون، من أبرز المعادين للوجود العربي والذين يقدّمون أنفسهم كخبراء في الشأنين اللبناني والعسكري، أقرّوا بأن الجيش الإسرائيلي “لن يستطيع نزع سلاح الحزب عسكرياً”. بل الأدهى أن نتنياهو اضطر إلى تسويق هذا الموقف عبر هدنة من دون شروط مسبقة، ما أثار غضباً داخل الكابينت، حيث اتُّهم رئيس الوزراء بأنه “خضع للابتزاز”.
هنا لا بد من التنويه إلى أن الجنوب اللبناني ليس وحده من يصرخ اليوم، بل مستوطنو الشمال أيضاً. فالنازحون في صور وصيدا ليسوا وحدهم من يعانون؛ بل إن بلديات الجليل الغربي ترفع الصوت عالياً، وسكان كريات شمونة يعيشون في مرائب السيارات. وهكذا، انهارت الصورة النمطية عن “جيش لا يُقهر”، ومعها مقولة “الدفاع الاستراتيجي” التي روّجت لها تل أبيب.
معادلة الردع عادت… لكن بصيغة جديدة
المفارقة أن اللحظة التي أعلنت فيها إسرائيل أنها غير قادرة على العودة إلى قواعد الاشتباك القديمة، كانت هي ذاتها اللحظة التي عادت فيها معادلة الردع، لكن لمصلحة حزب الله. فالرفض القاطع للحزب العودة إلى ما قبل الحرب فرض واقعاً جديداً: أي اتفاق مستقبلي سيكون على أسس مختلفة، تتضمّن تكليف الحكومة اللبنانية مهمة نزع السلاح كبند من بنود “عملية سلام” مفترضة، وهو ما يعترف به حتى أعداء الحزب بأنه مهمة مستحيلة في المدى المنظور.
أما دونالد ترامب، فبعد أن راهن على “الضغط الأقصى”، وجد نفسه مضطراً لقبول التسوية التي فرضتها “عقدة لبنان”. كما أن الحصار المضاد على مضيق هرمز أثبت أنه كان خياراً غير محسوب في فنّ الحرب، في وقت لم يعد فيه العالم قادراً على تحمّل تبعات حرب قد تشعل المنطقة بأكملها.
الداخل اللبناني: من رفع الغطاء إلى تصدير الأزمات
الجانب الأخطر من التسوية ينتظر لبنان داخلياً. فالدولة اللبنانية، وتحديداً تحت ضغط واشنطن وبعض القوى المحلية، رفعت الغطاء عن “المقاومين” خلال الحرب، وتمّ اعتقال عدد منهم في خطوة غير مسبوقة.
الجيش اللبناني، الذي أُعطي أوامر بالانسحاب من الحافة الأمامية، ظلّ يُجلي الجرحى ويتّخذ دوراً إنسانياً مع مواطنيه، هو نفسه الذي لا يستطيع مخالفة القرار السياسي إذا طُلب منه لاحقاً تسليم مقاتلين. وهذا يعني أن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد ابتزازاً إسرائيلياً للحكومة لتنفيذ مهام كان الجيش الإسرائيلي عاجزاً عنها، تحت عنوان “تصدير الأزمة”.
في المقابل، يتمسّك حزب الله بثقله السياسي، ليس في الجنوب فقط، بل في البقاع والضاحية وجزء من بيروت. وهو يعلن بوضوح أنه لن ينجرّ إلى حرب أهلية، لكنه لن يسمح بتجريد خياره السياسي.
أما نبيه بري، الذي رفض قيام رئيس الجمهورية باتصال مباشر مع بنيامين نتنياهو (رغم محاولات الترويج إعلامياً بأن ملف لبنان سُلِّم إلى واشنطن)، فيحاول الآن ترميم علاقته مع جمهور المقاومة، خاصة بعد تمرير التصويت على اعتبار الجناح العسكري لحزب الله “خارجاً عن القانون” في الحكومة.
كما أن زيارات علي حسن خليل إلى السعودية، واتصالات بري مع المسؤولين الإيرانيين خلال اليومين الماضيين، كلّها تدلّ على تحضير سياسي للمرحلة المقبلة، التي لن يكون فيها مكان للرمادية.
من يعيد الإعمار؟ ومن يدفع الثمن؟
الملف الأثقل هو إعادة الإعمار، ولا سيما البنى التحتية والجسور. ومن الوهم الاعتقاد بأن إيران ستتخلّى عن حزب الله بعد خسارتها الساحة السورية؛ بل على العكس، بات لبنان اليوم البديل الاستراتيجي.
لكن السؤال يبقى: هل تستطيع طهران، المتضرّرة أضراراً جسيمة، تحمّل كلفة إعادة الإعمار؟ الجواب، بطبيعة الحال، لا.
وهل ستمدّ دول الخليج يد العون لمؤازرة الحكومة اللبنانية، أم سيتكفّل المجتمع الدولي بدفع الفاتورة؟ وهل ستُفرض شروط سياسية مقابل كل جسر يُعاد بناؤه؟
هذا هو عنوان المرحلة المقبلة: لعبة “الابتزاز العكسي” بين من يريد تخفيف الألم، ومن يسعى إلى تسييس الإغاثة.
لا أبطال في هذه الحرب
في النهاية، لا أحد يستطيع الادعاء بأنه البطل المطلق في هذه الحرب. إسرائيل لم تحقق أهدافها، والولايات المتحدة خرجت منعزلة، والنظام الإيراني أثبت صموداً لكنه دفع ثمناً باهظاً، فيما يخرج حزب الله بتضحيات جسام، لكن أيضاً بمعادلة ردع جديدة، وبإثبات حضوره على الساحة، لا سيما في المناطق المحتلة.
أما لبنان، فكما جرت العادة، يدفع فاتورة دمائه ودمار بنيته التحتية، لكنه هذه المرة أيضاً يفرض نفسه كعقدة للحل.
المرحلة المقبلة ستشهد جدلاً سياسياً عنيفاً في لبنان، ومحاولات لتغيير الوجوه والتحالفات، وسيكون نبيه بري وحلفاء حزب الله في امتحان صعب: كيف يوازنون بين الشراكة في الحكومة والدفاع عن خيار المقاومة، في بلد لم يعد يحتمل انفجاراً داخلياً آخر.
ربما العبرة الأكبر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حاربتا إيران في لبنان، فوجدتا نفسيهما تواجهان لبنان في إيران.
أما الحقيقة الصادمة للحلم الأميركي – الإسرائيلي، فتتلخّص في عبارة واحدة: يمكن تدمير الحجر، لكن لا يمكن استئصال الفكرة في أرض ما زالت تعتقد أن الاحتلال لم يرحل.
وهل هناك هزيمة استراتيجية أكبر من الاعتراف بأن عدوك قد انتصر عليك بالفكرة التي جئت لتدميرها؟

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
