اندلع خلافٌ حادّ بين طاولة المفاوضات والكراسي المحيطة بها، لأسباب لا تزال حتى اللحظة طيّ الغموض، أو ربما طيّ الإهمال المتعمَّد، في مشهدٍ عبثي لم تعهده قاعات السياسة، ولا حتى كواليس المؤتمرات الصحفية التي يُباع فيها الكلام بالمتر الطولي، لا بالمتر المربّع.
الطاولة، التي لطالما اعتبرت نفسها المرجعية العليا للحوار لمجرّد أنها تمتلك مساحةً مسطّحة وبريستيجاً متصنّعاً، بدت هذه المرّة متصلّبة أكثر من اللازم، وكأنها خضعت لعملية تجميل بدهان مساحيق السياسة لإخفاء تجاعيد الفشل.
أما الكراسي، فقد شعرت فجأة بكرامتها المفقودة، إذ سئمت من كونها مجرّد أدوات ثانوية تُستهلك عند كل أزمة، تُحمَّل على الأكتاف في الخطابات الرنّانة، ثم تُترك لتتحمّل أوزار الفشل وأوزان المفاوضين الثقيلة، الذين لا يمارسون من الرياضة سوى القفز فوق الحقائق الثابتة والرقص على حبال المماطلة.
بدأ التوتر خافتاً، همسات خشبية تشبه صرير الأسنان، واحتكاك أرجل يوحي برغبة جامحة في الركل كأرجل لاعبي كرة القدم، قبل أن يتحوّل إلى تصعيد علني كاد أن يكسر هيبة القاعة. اتهمت الكراسي الطاولة بالتعالي واحتكار “غطاء الطاولة” المخملي الذي يخفي العيوب البنيوية، بينما ردّت الطاولة باتهام الكراسي بالترهّل وعدم القدرة على حمل “ثقل المرحلة”، أو حتى حمل الأجندات الخفية التي كانت تُهرَّب تحت الطاولات في عتمة الليل، أما اليوم فأصبحت تُعطى على المكشوف.
وبين هذا وذاك، بقيت الأرضية صامتة كعادتها، تلعب دور المواطن الصبور الذي يتحمّل الجميع فوق رأسه من دون أن يُؤخذ برأيه، مكتفيةً بلملمة بقايا الكلمات الساقطة التي لا تجد من يرفعها.
دخلت الأسئلة على خط الأزمة محاولةً لعب دور الوسيط “النزيه” الذي يتقاضى أجره من كل الأطراف. تقدّمت بخجل يشبه خجل تلميذ لم يحضّر درسه، ثم بجرأة محسوبة تحوّلت إلى هجوم كاسح، وطرحت نفسها كجسر عبور بين الطرفين المتناحرين. سألت عن الأسباب، عن النوايا المُبيّتة، لكن جهودها اصطدمت بجدار بارد من بعض الأجوبة التي لم تكتفِ بالتجاهل، بل قررت أن تكون طرفاً في النزاع، تلبس ثوب الحكمة وهي تفتقر إلى أبسط قواعد المنطق.
وفي موقف مفاجئ، لكنه غير مستغرب في مناخ الدجل السياسي، بدأت الأجوبة بقصف قنابل من الزيت على النار، مستخدمةً لغة خشبية لا يفهمها حتى النجارون المحترفون. كل جواب كان يحمل في طيّاته مزيداً من الالتباس، وكأن الحقيقة لم تعد أولوية، بل مادة خام قابلة للتأويل والتزوير وإعادة التعبئة. ومع كل جولة، كانت الفجوة تتّسع والضجيج يعلو، حتى فقدت الكلمات معناها الأصلي، وتحوّلت اللغة إلى مجرّد أداة للرشق المتبادل بالاتهامات المعلّبة.
وفي ذروة هذا العبث التفاوضي، دخلت أقلام الرصاص المشهد، لا كمراقب حيادي يسجّل المحاضر، بل كقوة تدخّل سريع متعطّشة للرصاص الذي بداخلها، والمقرّر استعماله للخربشة والشخبطة، كأغنيةٍ لأحد عباقرة الفن “المطأطأ”: “شخبط شخابيط لخبط لخابيط”.
لم تمهل أحداً وقتاً للفهم أو التهدئة، وبدأت بقصف عشوائي استهدف إحدى جهات الكراسي، حيث تطايرت الشظايا الخشبية في الهواء، وسقط معنوياً وفطرياً فريق من الجالسين الذين اكتشفوا متأخرين أن الممحاة الموجودة في طرف القلم لم تُوضع لمسح الأخطاء، بل لمسح وجودهم من الخارطة تماماً.
نُقلت الكراسي المصابة بكسور في “الظهر والمبادئ” إلى مستشفيات مهدّمة أصلاً، حيث لا أسرّة كافية ولا أطباء قادرين على التمييز بين الكسر البنيوي والكسر السياسي الناتج عن الانحناء الزائد. هناك، في زوايا الإهمال المظلمة، تُركت لتنتظر ترميماً قد لا يأتي أبداً، أو ربما إعادة تدوير في مصنع لإنتاج أعواد الثقاب، لعلها تشتعل يوماً في وجه من خذلها.
أما الطاولة، فقد بقيت في مكانها، ثابتة ظاهرياً كتمثال لبيروقراطي قديم، لكنها مشروخة من الداخل تماماً كما أراد مالكها الخفي. كانت تدرك في سرّها أن ما حدث لم يكن مجرّد خلاف عابر على مقعد أو ورقة، بل هو إشارة واضحة إلى نظام تفاوضي مهترئ لم يعد قادراً على إخفاء تصدّعاته خلف الابتسامات البروتوكولية.
وهكذا انتهت الجولة بلا اتفاق، وبلا بيان ختامي يدّعي النجاح الوهمي، وبلا مصافحة أمام العدسات. بقي فقط صمت ثقيل، وأسئلة مكسورة الأجنحة تزحف على الأرض وتستجدي وهماً ضائعاً، وأجوبة أكثر صخباً وزيفاً من أي وقت مضى، وسط قاعة خالية إلا من رائحة الخشب المحروق، وصدى الوعود التي تبخّرت قبل أن يجف حبرها.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
