لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط مجرد مواجهات تقليدية يمكن احتواؤها ضمن قواعد اشتباك معروفة، بل تحوّلت إلى اختبار مفتوح لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. فما جرى في سيناريو المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كان لحظة كاشفة لواقع استراتيجي جديد يتكوّن على أنقاض النظام العالمي القديم.
الضربة الأميركية ـ الإسرائيلية العنيفة على إيران، والتي يُفترض أنها تهدف إلى كبح النفوذ الإيراني أو إعادة فرض معادلات الردع، أطلقت في المقابل دينامية معاكسة تماماً. فالردّ الإيراني لم يأتِ تقليدياً أو رمزياً، بل اتخذ شكلاً استراتيجياً مباشراً عبر استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج، إلى جانب ضرب العمق الإسرائيلي.
هنا، لم تعد القواعد العسكرية عنصر حماية كما رُوّج لها لعقود، إذ تحوّلت إلى نقاط جذب للنيران، أشبه بمغناطيس يستدعي الصواريخ والطائرات المسيّرة.
هذا التحوّل يطرح سؤالاً جوهرياً: “هل انتهت فعلاً فعالية المظلّة الأمنية الأميركية في الخليج؟” فالدول التي راهنت على هذه الحماية، والتي دفعت مبالغ خيالية لا يمكن تحديدها، وجدت نفسها فجأة داخل دائرة الخطر لا خارجها. القواعد التي أُنشئت لردع الخصوم باتت جزءاً من بنك أهدافهم، ما يعني أن مفهوم “الأمن المستورد” يواجه اختباراً قاسياً، وربما تاريخياً.
في المقابل، يبرز عنصر لا يقل أهمية، وهو الغياب الروسي والصيني عن ساحة المواجهة. فرغم العلاقة الاستراتيجية التي تربط موسكو وبكين بطهران، إلا أن هذا التحالف لم يُترجم إلى تدخل مباشر. هذا السلوك يعكس براغماتية باردة، حيث تفضّل القوتان الكبيرتان استنزاف الخصم الأميركي من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تجرّهما إلى حرب غير محسوبة. لكن هذا الغياب يفتح الباب أيضاً أمام تساؤلات حادة حول حدود التحالفات الدولية: “فهل هي التزامات فعلية أم مجرد تقاطعات مصالح مؤقتة؟”
ما تكشفه هذه الأزمة هو أن العالم دخل مرحلة “السيولة الاستراتيجية”، حيث لم تعد التحالفات ثابتة، ولا الردع مضموناً، ولا حتى الخطوط الحمراء واضحة. فالثالوث الذي يتشكّل اليوم، والمتمثّل بالقوة العسكرية والقدرة التكنولوجية والمرونة الجيوسياسية، هو الذي سيحدّد من يمتلك زمام المبادرة في النظام العالمي الجديد.
التداعيات لا تقف عند حدود المنطقة، فأسواق الطاقة ستكون أول المتأثرين، مع احتمال استمرار الارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة تهديد طرق الإمداد، وخصوصاً في الخليج. كما أن الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلاً من هشاشة متزايدة، قد يواجه موجة جديدة من التضخم وعدم الاستقرار.
أما على المستوى الأمني، فإن انتشار نماذج الحرب غير المتكافئة، من صواريخ دقيقة إلى مسيّرات منخفضة الكلفة، سيعيد تعريف موازين القوة، بحيث لم تعد التفوّقات التقليدية كافية لضمان النصر.
في هذا السياق، يبدو أن “سقوط الأقنعة” ليس مجرد توصيف إعلامي، بل حقيقة سياسية. فالقوى الكبرى تتصرف وفق مصالحها الضيقة، والحلفاء يكتشفون حدود الدعم الذي يمكن أن يحصلوا عليه، بينما تزداد القوى الإقليمية جرأة في اختبار الخطوط الحمراء.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من انتصر في هذه الجولة، بل من يملك القدرة على كتابة قواعد اللعبة الجديدة. هل هي “القوة العسكرية الصلبة”؟ أم “القدرة على تحمّل الاستنزاف الطويل”؟ أم “الذكاء في إدارة الصراعات دون الانزلاق إلى حرب شاملة”؟
ما هو واضح أن العالم لم يعد كما كان قبل هذه المواجهة. فالتوازنات التي حكمت العقود الماضية تتآكل، لتحل محلها معادلات أكثر تعقيداً وخطورة. وفي قلب هذا المشهد، يقف “الثالوث الخطير” عنواناً لمرحلة جديدة، حيث لا مكان للثوابت، ولا ضمانات دائمة، بل صراع مفتوح على شكل النظام العالمي المقبل.
في هذا السياق المتشابك، تعيش المنطقة بأسرها حالة ترقّب حذر. فدول الخليج تعيد حساباتها الأمنية، وتركيا تراقب وتناور، فيما تحاول دول أخرى تجنب الانخراط المباشر في صراع مفتوح. والجميع يدرك أن المرحلة لم تعد تحتمل رهانات خاطئة، وأن كلفة الانزلاق قد تكون أكبر من قدرة أي طرف على التحمّل.
إلى جانب المشهد الإقليمي المتفجّر، لا يمكن النظر إلى لبنان كمتفرّج على ما يجري، بل كجزء عضوي من معادلة الاشتعال نفسها. فلبنان، بما يحمله من موقع جغرافي حسّاس وتركيبة سياسية معقّدة، يقف دائماً على حافة التأثّر لا على هامشه. حدوده الجنوبية مع إسرائيل تضعه في تماس مباشر مع أي شرارة مواجهة، فيما تشابك علاقاته الإقليمية يُدخله تلقائياً في قلب توازنات دقيقة لا تحتمل الخطأ.
وعليه، لا يحتاج لبنان إلى قرار للدخول في المواجهة بقدر ما قد يُدفع إليها دفعاً. فأي انزلاق إقليمي واسع كفيل بأن ينقله من موقع المراقب القلق إلى ساحة اختبار مفتوحة، حيث لا تقتصر التداعيات على البعد العسكري فحسب، بل تمتد لتطال بنيته السياسية الهشّة واقتصاده المثقل، ما يجعله واحداً من أكثر الأطراف عرضة لدفع أثمان صراعات لا يملك ترف التحكّم بمسارها.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
