زائرنا الكريم… قداسة الحبرِ الأعظم

تزورون وطنًا تحكمه الفوضى، وتُباح فيه كلّ المحظورات. وطنًا فقدَ بوصلتَهُ السياسيةَ والوطنيةَ والأخلاقية. وما ستجدونه على أرض الواقع سيُغايرُ حتمًا ما نُقِلَ إليكم من صورٍ منمّقة، لأنّ الواقع المرير يعكس حجمَ الخطر المحدق بشعب لبنان عامةً، وبالمسيحيين خاصّةً، وبالموارنة تحديدًا.

زائرَنا الكريم،
إنّ النظامَ السياسيَّ في لبنان، بمختلف مكوّناته العلمانية والروحية، قد استسلم لفكرة الفوضى والارتهان وانعدام المسؤولية. لقد أضاعَت القيادتان السياسيةُ والروحيةُ معًا التاريخَ الوطنيَّ الشفّافَ والقيمَ الأخلاقيةَ التي قامت عليها الحياة السياسية. وحين تضيع الأخلاقُ السياسية، يصبحُ حاضرُ الشعب رهينةَ مستقبلٍ غامض، ويخبو الأملُ لديه في صناعة مستقبله السياسي والديني.

زائرَنا الكريم،
لقد ترهّل الزمنيون والروحيون معًا، وأصابهم من الفساد ما أصاب سائرَ الهيئات والمسؤولين اللبنانيين. في وطن القدّيسين، صارت أبسطُ حقوقِ الشعبِ أحلامًا عصيّةَ المنال، وصار الأملُ بالأمان في مشرقٍ حرٍّ سيّدٍ مستقلٍّ حلمًا بعيدًا أو محالًا. وما يُشاع من خطبٍ وتصريحاتٍ منكم ومن ساسة الأمر الواقع لن يُخفي حقيقةَ الانهيار الأخلاقي والوطني الذي نعيشه.

زائرَنا الكريم،
تزامنًا مع زيارتكم، يسألُ كثيرون من الفاعلين على المسرح السياسي الدولي: من يحكم لبنان؟ ولا تنتظروا، يا قداسة الحبر الأعظم، من أحدٍ جوابًا صادقًا؛ فنحن نقولها بوضوح: إنّها الزبائنية السياسية وقلّة الوفاء الدينية. وفي ظلّ هاتين العاهتين، بات الجهلُ والإهمالُ والتسيّبُ مقبولين، وبات السياسيون ورجالُ الدين يتقنون فنونَ المراوغةِ والتملّقِ والتهرّبِ والخداعِ، حتى أفقدوا المؤمنين والمواطنين معًا مفهومَ الانتماء الحقيقي للمسيحية والمارونية والوطن. وللأسف، قد تنتهي هذه المهزلةُ بضياع المسيحية في هذا المشرق، كما ضاعت كرامةُ الإنسان فيه.

زائرَنا الكريم،
إنّ كلَّ المؤشرات، ويا للأسف، وبعد مراجعاتٍ معمّقة، تؤكد أنّ زيارتكم ستنحصر في الاحتفالات والبروتوكولات والمجاملات. وصدق من قال: “لن يتسنّى لأحدٍ أن يُسمِعَ قداستكم صوته، فالوقتُ ضيّقٌ ومحجوزٌ للرسميين.نعم، ستسمعون صوتَ من صلبوا الشعبَ، ومن هجّروه وطعنوه وسرقوه، وهم أنفسُهم سببُ مآسيه. وبهذه الطريقة يطمئنّون إلى تأمين استمرارية نظام حكمهم الفاسد.

زائرَنا الكريم،
كثيرةٌ هي الأسبابُ التي تدفعنا نحن المسيحيين اللبنانيين، وسائرَ مكوّنات الشعب اللبناني، إلى القلق على حياتنا ومستقبلنا. فقد بات استقرارُنا مهدَّدًا، وأمنُنا في خطر، وشبابُنا يُقتلون في الشوارع التي تحكمها عصاباتُ السلاح غير الشرعي. نرى رقعةَ الشرّ تكبر وتتمدّد على كامل الأراضي اللبنانية، فيما يُهمَّش الشرفاءُ عمدًا، ويُمنعون حتى من لقائكم.

زائرَنا الكريم،
هل تعلمون أنكم ستصافحون مسؤولين وسياسيين، من رجال دينٍ وعلمانيين، يجدون لكم الأعذارَ لتقاعسهم في كل الاستحقاقات السياسية والدستورية والأمنية والاقتصادية والدينية والاجتماعية؟ إنهم يتأخرون في تطبيق السيادة الوطنية، ويجبرونكم على التغاضي عن كلّ سوءٍ يلحق بالشعب، وهم أنفسُهم مَن أخفقوا في وضع قانونٍ انتخابيٍّ عادل، وارتبطت مصالحُهم بالخارج على حساب المصلحة اللبنانية العليا.

زائرَنا الكريم،
إننا، في المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)، نخشى أن تؤمّن زيارتُكم هذه التغطيةَ السياسية الكاملة للطبقتين السياسية والروحية، فتتحرّكان بعدها بحريةٍ تامةٍ، من دون أيّ مراعاةٍ لأوضاع الناس، ومن دون قيودٍ أخلاقيةٍ أو إنسانيةٍ تُلجمُ فسادَهما.

زائرَنا الكريم،
إنّ الواقعَ الذي نعيشه وما هو مرتقب، يفرضان أولًا أن تسمعوا صوتَ الشرفاء، رغم ضيق وقت زيارتكم. وثانيًا، نناشد قداستكم أن تصغوا إلى صوت المظلومين، واليتامى، والأرامل، وأهالي الشهداء، عملاً بما ورد في الكتاب المقدّس: “لا تَظلِموا في القضاء، ولا تتحيّزوا لمسكينٍ ولا تُحابوا عظيمًا، احكم لقريبك بالعدل” (سفر اللاويين 19:15).

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC