يوم الأحد الفائت، قررت أن أخلع عن نفسي كل أعباء التطور التقني وأن أعمل في الأرض لأتنشق ترابها، لعلّي بذلك أفرغ كثيراً من طاقتي السلبية جراء الظروف القائمة في لبنان والمنطقة. وبينما أنا سارح في التفكير بأننا بتنا عالقين في عنق الزجاجة، جاءتني خاطرة مخاطبة الرابطة المارونية في لبنان. فنحن في زمن تمرّ به الأمة اللبنانية بأشدّ مراحل الضيق والانحطاط، حتى بتنا نستشعر في الحضيض الوطني رائحة الموت من كل جانب، وانقطع فينا الرجاء من السياسيين، وعدنا نسمع دبيب المخاض لحرب أهلية جديدة لا يستفيد منها إلا عدونا التاريخي. ومن هنا، كان لا بدّ من أن نمدّ أيدينا إليكم، لا كمتوسلين ولا كمستجدين، بل كأبناء لهذا الوطن يعلمون جيداً أن في ذلك الهيكل حكماء يسمعون الهمسات ويتأثرون بها، وأن في هذه الرابطة رجالاً يعني لهم لبنان وتعنيهم الأرزة.
هو نداء يأتيكم من ابن بيروت المسلم الذي لا يعرف التملق. ابن بيروت الذي تتلمذ على حب الوطن في أروقة جريدة «النهار» يوم كانت لا تزال في منطقة الحمرا، حيث كان ميشال أبو جودة وغسان تويني وأنسي الحاج وفرانسوا عقل، هامات العمالقة الذين التقيتهم في طفولتي في الزمن الجميل، أولئك الذين علّموني أني، ولكي أكون لبنانياً، فلا بدّ من أن أكون مسلماً مسيحياً في آنٍ معاً، تماماً كما علّموا غيري أن مسيحيته لا تكتمل إن لم يكن فيه شيئٌ من الإسلام.
وابن بيروت الذي كان جاراً لهنري فرعون وكان يحرص على مرافقته أيام العطل المدرسية في نزهته الصباحية حول قصره في زقاق البلاط، فكنت ذلك الطفل الذي يسمع من وزير خارجية لبنان الأسبق _ بل ينهل من كل تفصيل _ ليجعله زوادةً لنشأته الوطنية.
ها أنا أناشدكم اليوم، لأني أعلم يقيناً أن ندائي سيصل إلى الحكماء داخل الهيكل، كما كان النقيب السابق للمحامين عصام كرم رحمه الله، وهو أبي الروحي بكل ما للكلمة من معنى. لقد كان تلك الهامة المارونية التي تحافظ على صلاة الفجر يومياً في الكنيسة، وتتذوق جمال السيرة النبوية وتباهي الضيوف بمعرفة دقائقها مستشهدة بآيات من القرآن والإنجيل في أهم المرافعات، أكّد لي مراراً أن للموارنة في لبنان هيكلاً يسمع الهمسات ويتأثر بها ولا يسمح بسقوط لبنان، لا في فخ الفساد والإفساد ولا في أحضان الوصاية الأجنبية كائنة من كانت.
واليوم، إذ أقرأ منشوراً على صفحة الرابطة المارونية فيه دفاع عن هوية جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني، حين حاول البعض في نيويورك وصفهم بـ«الشعراء السوريين»، أدرك أن الرابطة لا تزال حيّة، وأن فيها من يستشعر الخطر على الهوية اللبنانية قبل أن يستشعره غيره. ذاك البيان الذي أرفق خرائط القرى وأبيات الشعر ووصايا جبران بأن يدفن في بشري، لم يكن مجرد احتجاج، بل درساً في الوطنية اللبنانية. وهذا يزيدني إيماناً بأنني حين أكتب إليكم اليوم، أكتب إلى من يعرفون أن لبنان ليس مجرد عنوان عابر، بل وصية آباء وأمهات علّمونا حب لبنان ليس فقط كوطن في محيطنا العربي، بل كرسالة.
نحتاج العودة إلى الأصالة اللبنانية
لبنان الذي عرفناه وأحببناه حدّ العشق المطلق، هو لبنان الرسالة، لبنان الحرية، لبنان الذي وصفه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بأنه «أكثر من بلد». لبنان الذي لم يكن يوماً طائفياً ضيقاً ولا عروبياً متطرفاً ولا غربياً مستلباً. كان مساحة لقاء بين الشرق والغرب، وبين العروبة والخصوصية اللبنانية، لا ذائباً في محيطه ولا منفصلاً عنه.
لقد احتضن أجدادكم الأوائل الفكرة اللبنانية المميزة ليكون لبنان متفرداً في العالم العربي وقادراً على أن يقود لا أن يتبع. حموا لغة القرآن في الأديرة يوم كانت مواسم التتريك، ورسموا معالم مدرسة فكرية وسياسية وثقافية جعلت من لبنان مساحة حرية وفكر وصحافة وجامعات. فالمسألة كانت دائماً مسألة هوية مميزة لا مسألة ذوبان وتلاشي.
لبناننا كان «سويسرا الشرق»
مَن منّا لا يتحسر على ما كانت عليه «سويسرا الشرق» في ستينيات القرن الماضي؟ لبنان كان قلعة للحرية والديمقراطية والاقتصاد المنفتح، قبلة العرب والغرباء على السواء، ومنارة للفكر والثقافة والإعلام. ثم تكالبت علينا الأمم شرقاً وغرباً لكسر شوكتنا وتحطيم هذا النموذج اللبناني المميز.
ومع اتفاق الطائف، وبعد صراع الأخوة الذي أنهك الجميع، سُلِّم البلد إلى أمراء الحرب ليصبحوا رجال دولة، وما أصبحوا، بل نزعوا الدولة وخانوا الأمانة. وها نحن اليوم ندفع جميعاً ثمن قانون العفو العام الأول، وليته كان الأخير. ثم جاء جيل الأبناء ليعمّق الجراح، وها نحن اليوم أمام جيل من الأحفاد ورث وطناً مدمراً واقتصاداً منهاراً وسياسة مكسورة الظهر.
ولو تأملنا البيان الذي أصدرته الرابطة المارونية دفاعاً عن لبنانية بعض رواد الثقافة، لرأينا نموذجاً للبننة الصحيحة التي لا تنفي العروبة ولا تذوب فيها. فالرابطة لم تقل إن هؤلاء الأدباء ليسوا عرباً، بل قالت إنهم لبنانيون. واللبناني العروبي الحقيقي هو من يعتز بأن جبران ابن بشري قبل أن يكون شاعراً عربياً، وأن الفينيقية في دمه لا تنقص من عروبته بل تزيدها عمقاً. أما العروبة التي نخافها فهي التي تطلب منا أن ننسى قرانا وجبالنا وبحرنا لنصبح مجرد ظل لدولة أخرى، بينما العروبة التي نحبها هي التي تحتفي بخصوصية لبنان وتاريخه وتنوعه.
وليس أولئك وحدهم. فمن الموارنة الأقحاح الذين علّمونا حب لبنان ثم حب فلسطين من باب مساندة القضايا العادلة، كان سعيد عقل وعاصي الرحباني. سعيد عقل الذي كتب «لبنان» الخالدة، وشارك الأخوين الرحباني في كتابة «زهرة المدائن» لأجل القدس المحتلة عام 1967، فغنت فيروز: «لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي». وهنا تكمن عظمة المدرسة اللبنانية الحقيقية، نهج علمنا أن يكون الإنسان شديد الانتماء إلى وطنه، من دون أن يفقد حسّه الإنساني أو التزامه بقضايا العدل.
ثم يأتي فؤاد إفرام البستاني، صاحب المدرسة الفكرية التي تربينا فيها في حلقات على تلفزيون لبنان، وكان فيها أن لبنان رسالة لا مجرد وطن، وأن الفينيقية ليست هروباً من العروبة بل عمقاً لها. فإذا كنا على عهدنا مع هذه المدرسة، فكيف يمكن لمن يعشق الأرز أن لا يدافع عن القدس؟ وكيف يمكن لمن آمن برسالة لبنان أن يصمت اليوم عن دماء تُسفك في الجنوب وقرى تُسحق وتُباد؟ هل أصبحنا شياطين خرساً داخل وطننا بعدما كنا منارات للإنسانية والوعي؟
رسالتي إلى الرابطة المارونية: استعيدي عافيتك
منذ أكثر من عشرين عاماً، وأنتم تحذرون من أن الموارنة صاروا بحكم الموتى مع هذا النوع من القيادات التي تحكم لبنان. مسؤولون غارقون في العبثية والتفاهة، بلا لون ولا موقف، والأهم بلا ضمير. وها نحن اليوم نحصد ما حذرتم منه، فثمة أجيال تهاجر، وشعب يفقد ثقته، ووطن يتآكل.
الرابطة المارونية يجب أن تقود تماماً كما قادت عبر التاريخ، كي لا يبقى الموارنة أسرى زعامات ميليشيوية عانى منها الموارنة كما عانى منها سائر اللبنانيين نتيجة رهانات خاطئة على الخارج وقلة ثقة بالنفس، وكأن الحرب الأهلية لم تكن درساً كافياً.
عليكم أن تستعيدوا الحكمة، وأن تعيدوا تسليم مفاتيح المحفل للكفاءات لا لأصحاب الإرث السياسي، لرجال الفكر لا لتجار السلطة والمال. فلبنان اليوم يحتاج إلى حكماء أكثر مما يحتاج إلى زعامات.
اللبناني الذي لا يلتقي إلا بلبنان
أيها السادة، لقد عانى لبنان من المسيحي الذي تمسك بأهدابه في الغرب فأضاع الشرق، كما عانى من المسلم الذي تمسك بأهدابه في الشرق فأضاع الغرب. أما اللبناني الحقيقي، فهو الذي لا يلتقي إلا بلبنان ولا يتمسك إلا به فلا ينفّذ أجندات خارجية مهما كانت الحوافز والمغريات والمخاطر.
ولعلّ ما تعلمته يوم تسلمت مسؤولية قطاع الشباب في «منبر الوحدة الوطنية» برئاسة الرئيس الراحل سليم الحص لا يزال يرافقني حتى اليوم. كان يردد أمامنا دائماً أننا في التعاطي مع أحزاب لبنان لا نتعامل بالجملة بل على القطعة، فنساند الموقف حين يكون وطنياً ونعارضه حين ينحرف، ولذلك سُمّينا يومها «القوة الثالثة». وربما يكون لبنان بأمسّ الحاجة اليوم إلى هذه المساحة الوطنية التي ترفض الارتهان كما ترفض الإلغاء.
إنني على يقين أن ما يجمع اللبنانيين أكبر مما يفرقهم. يجمعهم الإيمان بالله الواحد، والانتماء إلى وطن واحد، والارتباط بمصير واحد. وكما ورد في الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، فإن «المسلمين كما المسيحيين خبروا العيش المشترك بحرية ومسؤولية على مدى قرون طويلة».
لقد كان للبطريرك نصر الله صفير دور بطولي في تحرير لبنان من الوصاية السورية، وكما كان لآبائكم الأوائل دور في تأسيس لبنان الكبير، فإن عليكم اليوم دوراً مماثلاً في إنقاذ ما تبقّى من هذا الوطن وهو يمر في مرحلة بالغة الخطورة والدقة.
إلى الحكماء حصراً
أناشدكم بالله الذي يجمعنا، وبالمسيح الذي وحّد البشرية بمحبته، وبالأنبياء الذين علّمونا العدل والمساواة، أن تتحركوا.
لقد ضرب الفساد كل مفاصل الإدارات، والمحاصصات أفسدت كل شيء، والمواطن اللبناني فقد ثقته بالدولة والنظام والسياسيين، فيما بنت قوى وأحزاب دولاً داخل الدولة حتى أصبحت السيادة والاستقلال مجرد شعارات موسمية.
الرابطة المارونية، بكرسي بكركي البطريركي، وبالرهبانيات المارونية، وبالمفكرين والأحزاب والاغتراب والشعب الماروني الصامت، تتحمل اليوم مسؤولية تاريخية كبرى. فمن أعطي الكثير، يُطلب منه الكثير، كما قال شارل مالك.
أخيراً…
لا نطلب منكم المستحيل، بل أن تستعيدوا زمام المبادرة، وأن تكونوا صوت الحق والقيم والحريات، وأن تعيدوا للبنان شيئاً من الهواء النقي الذي خنقته الأحقاد والانقسامات.
البيان المنشور دفاعاً عن هوية لبنان الثقافية، والذي شمل جبران خليل جبران وأمين الريحاني وسواهما، أثبت أنكم تعرفون كيف تدافعون عن لبنان حين تُمسّ هويته. لكن اسمحوا لي أن أذكركم أن جبران نفسه لم يكتف بوصف الأرز والثلوج، بل حذّر أمّته حين تغرق في الطائفية والتناحر، فقال: «الويل لأمة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين… والويل لأمة مقسمة وكل ينادي: أنا الأمة».
واليوم، فيما الجنوب اللبناني ينزف والقرى تُدكّ، يحتاج اللبنانيون إلى صوت وطني جامع لا يبرر الدم ولا يصمت عنه، بل يذكّر بأن الإنسان يبقى أعلى من الانقسامات السياسية كلها. فالدفاع عن لبنان لا يكون فقط بالدفاع عن هويته الثقافية، بل أيضاً بالدفاع عن ناسه وكرامتهم وحقهم بالحياة.
لبنان الذي يسكنني أنا المسلم العروبي الفينيقي، هو نفسه لبنان الذي يسكنكم أنتم الموارنة الذين كنتم دائماً ركناً أساسياً في حماية فكرته وحريته وتعدديته. وما دام لبنان يسكننا جميعاً، فلا يجوز لنا أن نتركه يموت.
لبنان ليس ملكاً لأحد، بل أمانة في أعناقنا جميعاً. ومن يريد أن يكون حارساً للأرز، فليكن حارساً للأحياء قبل أن يكون حارساً للأشجار.
تحية للأرز الذي لم يمت،
وتحية للبنان الذي سيبقى.
والسلام على من ثبت على عهد الأجداد بصون لبنان وصيانة عيشه المشترك.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
