الانتخابات اللبنانية: سباق بين إرادة الداخل وضغوط الخارج… وهاجس الحرب الدائم

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية المقرّرة في ربيع 2026، تدخل البلاد مرحلة عالية الحساسية تختلط فيها الحسابات الداخلية بالضغوط الخارجية، وتتداخل فيها الملفات الدستورية مع التحديات الأمنية. وبين من يجزم بأنّ الانتخابات ستُجرى «مهما كان الوضع»، ومن يسعى — أو على الأقل لا يمانع — في تأجيلها، يبقى السؤال الحقيقي: هل لبنان ذاهب فعلًا إلى استحقاق انتخابي في موعده؟ أم أن التأجيل بات احتمالًا واقعيًا؟

وسط هذه الأجواء، يخيم شبح الحرب جنوبًا، ويتراجع تسجيل المغتربين بشكل كبير، وتتعثر التعديلات المطلوبة لإدارة العملية الانتخابية. كل ذلك يجعل الاستحقاق المقبل واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا منذ اتفاق الطائف.

حزب الله: لا تمديد ولا تعطيل ولا تعديل

الموقف الأكثر وضوحًا وصراحةً جاء من حزب الله على لسان الوزير السابق محمد فنيش، الذي أكّد أن الحزب يتمسّك بإجراء الانتخابات في موعدها ووفق القانون النافذ، رافضًا أي نقاش في التمديد أو تعديل قانون الانتخاب.

وبحسب مقاربة الحزب، فإن ملف المغتربين — وخصوصًا المقاعد الستة — يُستخدم من قِبل جهات محلية وخارجية لمحاولة تعديل ميزان القوى داخل المجلس المقبل واستهداف البيئة الحاضنة للمقاومة.

ويرى الحزب أن «الدولة معنيّة بإجراء الانتخابات»، وأنّ أي نقاش حول تعديل القانون حاليًا يفتح الباب أمام سيناريوهات سياسية خطيرة تستغل الضغط الاقتصادي والفراغ الدستوري.

تنقل مصادر وزارية أن رئيس الجمهورية جوزاف عون أعلن أكثر من مرة أمام مجلس الوزراء أنه يريد إجراء الانتخابات في موعدها «أيّاً يكن الوضع»، داعيًا وزير الداخلية أحمد الحجار إلى تقديم كل ما يلزم لضمان احترام المهل.

هذا الموقف أنهى عمليًا كل حديث كان يُطرح في الكواليس عن احتمال تمديد تقني أو سياسي، خصوصًا أن الرئيس يرى أن عدم إجراء الانتخابات سيُعدّ «نكسة للعهد» لا يتحمّلها في ظل الظروف الحالية.

بري… بين الضغط الأميركي والحسابات الداخلية

يبقى رئيس مجلس النواب نبيه بري لاعبًا محوريًا في رسم خارطة الاستحقاق، فالرجل يملك صلاحية تحديد جدول أعمال الهيئة العامة، وبالتالي يستطيع بحكم موقعه ضبط إيقاع التعديلات أو تعطيلها.

ورغم الحديث المتزايد في واشنطن عن إمكانية توسيع العقوبات لتطال رموزًا في السلطة، بينهم الرئيس بري، إلا أن ذلك لم يغيّر من موقف رئيس المجلس الذي يبدو غير متحمس لأي تعديل في قانون الانتخاب، وخصوصًا لجهة ما يتعلق باقتراع المغتربين.

وتشير مصادر سياسية إلى أن بري «لا يرى أن المجتمع الدولي مهتم بتفاصيل قانون الانتخاب بقدر اهتمامه بإجراء الانتخابات نفسها»، وهو ما يمنحه هامشًا واسعًا للمناورة والضغط.

واشنطن: انتخابات ضمن «استراتيجية الاحتواء»

تتعامل الإدارة الأميركية مع الانتخابات كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى احتواء نفوذ حزب الله، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انتخاباتٍ تعزّز التوتر أو تؤدي إلى انهيار أمني. لذلك، تضغط واشنطن باتجاه احترام المهل الدستورية، لكنها تتابع بدقة تفاصيل القانون، خصوصًا ما يتصل بتصويت المغتربين الذي تعتبره «عاملَ تغيير» أساسيًا.

أوروبا: الاستقرار قبل الصناديق

الأوروبيون، ولا سيما فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، يبدون حماستهم لإجراء الانتخابات، لكنهم أكثر قلقًا من أي تصعيد أمني قد يجعل الاستحقاق مستحيلاً — وهذا ما عبّرت عنه مستشارة الرئيس الفرنسي في لقاءاتها، وخصوصًا في لقاء معراب — ويربطون الدعمين المالي واللوجستي بوجود «شروط شفافة» للعملية الانتخابية.

الخليج: حذر واقعي

الموقف الخليجي — وخصوصًا السعودي — يميل إلى دعم الاستحقاق، لكن بلا اندفاع. فالتجارب الانتخابية السابقة أظهرت أن قدرتهم على التأثير محدودة في ظلّ التشتّت داخل الساحة السنية وغياب تحالفات متماسكة.

هاجس الحرب: المتغيّر الذي يعلو فوق كل الحسابات

وسط كل هذا الجدل السياسي والقانوني، يبقى الملف الأكثر تأثيرًا هو التطورات جنوبًا. فلبنان يعيش على خطّ تماس قابل للاشتعال في أي لحظة، ولا يمكن لأي حكومة — مهما كانت إرادتها أو تماسكها — أن تجري انتخابات في ظلّ حرب مفتوحة.

التقديرات الدبلوماسية تجمع على الآتي:

  • إسرائيل لا تريد حربًا شاملة… لكنها مستعدة لتوسيع الضربات.
  • حزب الله ملتزم بقواعد الاشتباك لكنه لن يتراجع عن الرد.
  • واشنطن تعمل ليلَ نهار لمنع انفجار شامل.

لكن أي خطأ تكتيكي أو استهداف كبير يمكن أن يبدّل كل شيء، وهو ما يجعل الانتخابات رهينة التطورات الميدانية.

نواب التغيير: حضور باهت… وفرص متفاوتة في 2026

فيما تنشغل القوى التقليدية بحساباتها، يبرز سؤال أساسي حول نواب التغيير الذين شكّلوا مفاجأة انتخابات 2022: هل يعودون بقوة؟ أم يتراجعون؟

ورغم بقاء المزاج الاحتجاجي لدى جزء من اللبنانيين، فإن أداء نواب التغيير خلال الأعوام الثلاثة الماضية أثّر سلبًا على حضورهم؛ إذ فشلوا في تشكيل كتلة واحدة، وتباينت مواقفهم في ملفات مصيرية، من انتخاب الرئيس إلى التشريعات المالية.

كما أن التراجع الحادّ في تسجيل المغتربين — الذين كانوا الرافعة الأساسية لوصول عدد منهم في 2022 — سيجعل معركتهم أكثر تعقيدًا.

وعلى مستوى الدوائر، يُتوقَّع أن يحافظوا على حضور في دوائر محدودة، وأن تتراجع حظوظهم في دوائر أخرى حيث استعادت القوى التقليدية قوتها. وتشير تقديرات سياسية إلى إمكانية انخفاض عددهم من 13 نائبًا إلى ما بين 3 و4 نواب، ما يبقي الصوت الاعتراضي موجودًا لكن ضمن كتلة أصغر وأكثر تشتتًا.

السفير الأميركي الجديد: الانتخابات بند رئيسي

وصل السفير الأميركي الجديد إلى لبنان، وسيبدأ لقاءاته السياسية اليوم الاثنين من القصر الجمهوري. وتؤكّد مصادر سياسية أن الانتخابات ستكون على رأس جدول لقاءات السفير ميشال موسى. والسبب واضح:

  1. واشنطن تخشى فراغًا دستوريًا يعرقل الإصلاحات.
  2. ملف العقوبات قد يشهد توسعًا يشمل شخصيات بارزة.
  3. تصويت المغتربين يشكّل ركيزة أساسية في المقاربة الأميركية للتوازنات.
  4. البرلمان المقبل سيكون مفصليًا في انتخاب رئيس الجمهورية.

لذلك، من شبه المؤكّد أن يبدأ موسى سلسلة اجتماعات مع القوى السياسية الرئيسية لمتابعة تفاصيل الاستحقاق منذ اللحظة الأولى.

الخلاصة: إلى أين؟

وفق المعطيات الحالية، يبدو أن إجراء الانتخابات في موعدها لا يزال الاحتمال الأقوى، مدعومًا برغبة دولية وضغط داخلي من رئاسة الجمهورية وقوى وازنة.
لكن في المقابل، تبقى ثلاثة عناصر قادرة على تغيير المشهد في أي لحظة:

  • اتساع رقعة الحرب جنوبًا.
  • فشل التعديلات القانونية واللوجستية.
  • انهيار سياسي أو حكومي مفاجئ.

حتى اللحظة، يعمل الجميع على قاعدة واحدة: الانتخابات يجب أن تحصل… إلا إذا فرضت الحرب أو الانهيارات الكبرى مسارًا آخر.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.