يواجه الجيش اللبناني ضغوطاً متزايدة من كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل لتعزيز جهوده في نزع سلاح “حزب الله”. وقد أدى عدم إحراز تقدُّم في هذا الملف إلى إفشال زيارة كان من المقرر أن يقوم بها قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، إلى واشنطن الأسبوع الماضي. وجاء هذا الإلغاء غير المسبوق بعد اعتراض السناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، على بيان أصدره الجيش وصف فيه إسرائيل بـ”العدو”، ذلك بعد أن أطلقت القوات الإسرائيلية النار على عناصر من “اليونيفيل”.
كما استهدف قرار الإلغاء توجيه رسالة إلى الرئيس جوزف عون، الذي اختار بنفسه القائد بالتشاور مع مسؤولين أميركيين. والحال أن الجيش اللبناني متردّد فعلاً في اللجوء إلى إجراءات صارمة لنزع سلاح “حزب الله”. فكلٌّ من عون وهيكل ملزمان بالامتثال لإملاءات النظام السياسي القائم، الذي نشأ عام 1989 – بعد أن وضعت حرب أهلية دامية استمرت 14 عامًا أوزارها – وجعل صلاحيات رئيس الجمهورية رمزية إلى حدٍّ كبير. لكن عجز النظام السياسي اللبناني عن اتخاذ قرارات مصيرية ليس فشلاً على مستوى الأشخاص، بل هو فشل بنيوي ومؤسساتي.
تصاعُد الضغوط
تُعدّ الولايات المتحدة الداعم الأساسي للجيش اللبناني، الذي يبلغ عديده 60 ألف جندي، لا يخدم منهم جنوب نهر الليطاني سوى نحو 9 آلاف عنصر. ومنذ عام 2006، بلغ إجمالي المساعدات العسكرية الأميركية إلى لبنان 3 مليارات دولار، رغم أن قسماً كبيراً من العتاد المقدم كان قديماً. كما استثمرت واشنطن بشكل كبير على صعيد توفير التدريب للجيش.
ومنذ التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل قبل عام، علّقت واشنطن آمالًا كبرى على قدرة الجيش على نزع سلاح الحزب. كما حثّت السلطات اللبنانية على قطع التمويل الإيراني عن الأخير، فضلًا عن وقف دعمه لحلفائه خارج لبنان. لكن بطء التقدم في إزالة وجود “حزب الله” من جنوب لبنان أثار استياء الإدارة الأميركية، ما دفعها إلى زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية.
خلال العام الماضي، عزّز الجيش اللبناني انتشاره جنوباً وبدأ بتفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله” جنوب نهر الليطاني، وذلك بما يتوافق مع خطة سبق وأقرّتها الحكومة. وقد نصّت المرحلة الأولى من الخطة على إنهاء وجود “حزب الله” في المنطقة الحدودية بحلول نهاية عام 2025. لكن حتى هذا الشرط لا يرقى إلى مستوى المطالب الأميركية والإسرائيلية الداعية إلى نزع سلاح الحزب بالكامل في أنحاء البلاد كافة ضمن الفترة الزمنية نفسها. وهي مطالب يرى الجيش أنها مستحيلة التنفيذ في الإطار الزمني موضوع البحث.
في المقابل، يرفض “حزب الله” نزع سلاحه شمال نهر الليطاني، مستنداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701. بيد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تصرّان على أن دعم “حزب الله” لحركة “حماس” عقب هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلق واقعاً عسكرياً جديداً إنما يجب على الأطراف احترامه.
آليّة مراقبة وقف إطلاق النار
تتطلّب آلية مراقبة وقف إطلاق النار أن يقوم الجيش اللبناني بتفتيش كلّ قرية وبلدة ومنزل جنوباً بحثاً عن الأسلحة. لكنّ الجيش الإسرائيلي يقول إن الآلية لا تسير بالسرعة الكافية، وإن تنفيذ الالتزامات يقتضي تفتيش كلّ منزل في البلاد بأكملها، وليس جنوباً فقط. من ناحيته، يؤكّد الجيش اللبناني أنه لا يمتلك القدرات التقنية أو العدد الكافي من العناصر لتمشيط مناطق واسعة، بما في ذلك الوديان الوعرة، للبحث عن الأسلحة. وهو يماطل في مسألة نزع سلاح الحزب لتجنّب استفزاز مواجهة عسكرية، نظراً لما قد يترتّب على خطوة كهذه من تداعيات على تماسك الجيش نفسه وعلى البلاد ككل.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فلا يُبدي حماسة حيال رغبة الرئيس عون في إجراء مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل ضمن إطار اللجنة الخماسية المكلّفة بالإشراف على وقف إطلاق النار. إذ ترى إسرائيل أن لبنان يختبئ خلف اللجنة، على أمل أن تنسحب القوات الإسرائيلية بالكامل من المواقع التي احتلّتها العام الماضي مقابل وعود مبهمة بنزع سلاح “حزب الله” في موعد غير محدّد.
ضغوط وقيود
تخشى الحكومة في بيروت تبعات تنفيذ شروط وقف إطلاق النار، والتي تفرض على الدولة تكريس احتكارها للسلاح فوق مختلف الأراضي اللبنانية. بينما لا يتعلّق عدم امتثال “حزب الله” بما يقوله أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، بل هو يرتبط بما تقرّره إيران. ومن الخطأ الاعتقاد بأن الأخيرة ستسمح بنزع سلاح الحزب بغياب اتفاق شامل مع واشنطن يؤدّي إلى رفع العقوبات الغربية عنها.
إن حالة الهوس بالسلاح هي ما يدفع “حزب الله” إلى المناورة بعناد للحفاظ على جزءٍ من وجوده العسكري من أجل حماية نفوذه السياسي. وبالتالي، فإن نزع السلاح سيحرم جناحه السياسي من أدوات الضغط التي يستند إليها. هنا، يؤكّد المسؤولون اللبنانيون أن الضربات الإسرائيلية، التي توسّعت نطاقاً واشتدّت وطأةً، تمنح “حزب الله” ذريعة للتمسّك بسلاحه.
بالمحصلة، يجد لبنان نفسه تحت ضغط من الولايات المتحدة وإسرائيل في آن؛ فالأولى تهدّد بقطع المساعدات العسكرية وتقليص مستوى العلاقات السياسية، بينما تشنّ الثانية غارات جوية يومية وتستهدف كوادر “حزب الله” لإجباره على التخلي عن سلاحه، ودفع الجيش اللبناني لتحمّل مسؤولية عملية نزع السلاح. علمًا بأن لدى قيادة الجيش خشية من أن تؤدي عمليات التفتيش إلى صدامات حتمية مع المجتمعات الشيعية المحلية وإلى حدوث انشقاق في صفوف الجنود الشيعة (وفق أرقام غير رسمية، يشكّل الشيعة نحو 45 في المئة من مجموع عناصر الجيش).
بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد مقبولاً أن يشير (حليفها) لبنان إلى إسرائيل بوصفها “العدو”. غير أن تغيير هذا المبدأ يتطلّب تحوّلاً جذرياً في العقيدة الأمنية، يعقبه تبدّل في ميزان القوى السياسية الداخلي يفضي إلى إنتاج طبقة سياسية جديدة. إلا أن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا نتيجة حرب تأتي من الخارج لتطيح بـ”حزب الله”؛ وتمكّن الجيش من الإمساك بزمام الأمن الداخلي؛ وتعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية بعيداً عن التورّط في مشكلات الشرق الأوسط الأمنية والأيديولوجية.
في الحقيقة، دائماً ما احتاج لبنان إلى تدخُّل خارجي لمعالجة أزماته الداخلية. لكن في هذه المرحلة، باتت الحكومة اللبنانية وجيشها مجرّد متفرّجَين في الصراع الدائر حول مستقبل البلاد.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم: هلال خشان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
