أملاك الدولة في الجنوب بين «تذاكي» جابر و«فساد» التفتيش

بعد إثارة ملف نقل أملاك الدولة في الجنوب إلى أملاك خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، خرج وزير المالية ياسين جابر بتوضيح حاول من خلاله امتصاص الغضب العام، إلا أن ما ورد في هذا «التوضيح» لا يرقى لا قانونياً ولا أخلاقياً إلى مستوى القضية الخطيرة المطروحة.

الوزير يؤكد أن إجراء «حفظ الملف» هو فقط للاحتفاظ بالشكوى بانتظار نتيجة تحقيقات التفتيش المركزي، وأنه سيُحال لاحقاً إلى النيابة العامة المالية، مع الإعلان عن إيقاف رئيس دائرة المساحة في مرجعيون عن العمل.

لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله الوزير عمداً: هل كان هذا الإجراء كافياً؟ الجواب ببساطة: لا.

وفقاً للأصول القانونية، عندما تتضمن الشكوى شبهات جدية بتعدّي على أملاك عامة وقرصنة مشاعات، فإن واجب وزير المالية لا يقتصر على إحالة الملف إلى التفتيش المركزي فقط، بل يفرض عليه أيضاً، وبالتوازي، إحالته فوراً إلى القضاء المختص، وتحديداً النيابة العامة المالية، باعتبار أن القضية تمس المال العام وأملاك الدولة.

أما الاكتفاء بإرسال الشكوى إلى التفتيش المركزي، فهو، على ما يبدو، ليس إجراءً بريئاً بل خيار سياسي إداري واعٍ يعرف الوزير قبل غيره نتائجه.

فالتفتيش المركزي في لبنان لم يعد، للأسف، هيئة محاسبة فعّالة، بل تحوّل عملياً إلى مقبرة للشكاوى، حيث تُدفن الملفات، وتنام القضايا في الأدراج سنوات وعشرات السنوات، من دون أي مساءلة.

حتى أن رئيس التفتيش المركزي نفسه بات معروفاً بدوره كـ«عرّاب وحامٍ للفاسدين»، حيث تُخفى التقارير، وتُجمّد التحقيقات، وتُحمى الشبكات النافذة، فيما يُترك المال العام للنهب المنظّم.

لذلك، فإن تبرير وزير المالية لا يُقرأ إلّا كتهرّب صريح من تحمّل المسؤولية الكاملة، ومحاولة رمي الكرة في ملعب التفتيش، بدل وضع الملف حيث يجب أن يكون، أي أمام القضاء. هذا فضلاً عن أن إيقاف موظف عن العمل لا يُعد إنجازاً ولا محاسبة، بل هو إجراء شكلي لا قيمة له إن لم يُستكمل بمسار قضائي واضح وشفاف.

هذه القضية ليست معزولة، بل تضاف إلى سلسلة طويلة من ملفات المشاعات وأملاك الدولة التي تُقرصن بهدوء، تحت أعين السلطة، وبغطاء مؤسسات يُفترض أنها رقابية.

ومن هنا، فإن المتابعة لا يجب أن تتوقف عند هذا «التوضيح»، بل عليها أن تستمر لكشف التفاصيل، وتسمية المسؤوليات، لأن أملاك الدولة ليست متروكة للمساومات، ولا الشكاوى وُجدت لتُحفظ، بل لتُحاسِب المرتكبين.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.