في مساءٍ شاحبٍ من أمسيات بيروت، يهبّ النسيم من جهة البحر كأنه يحمل حنين الريح إلى مدينة أنهكها الجمال ودمّرتها الأهواء. تتأمل “ريفييرا الشرق” وجهها في المرايا القديمة، فتراها مرةً فاتنةً تبتسم على الكورنيش، ومرةً أخرى عجوزاً تبكي على ركامها.
بلدٌ صغيرٌ بحجم قصيدة، لكنه يحمل في صدره تاريخاً من الدم والنور، من المجد والانكسار، من الطائفية التي تتناسل من رحم الخوف، إلى الحلم الذي لا يموت، بأن يولد من بين الرماد جوادٌ منقذ، يحملها إلى برّ الأمان.
هل يأتي الجواد من الأديرة القديمة التي تصعد في الجبل مع صوت الأجراس؟ أم يخرج من الأحياء الفقيرة في الضواحي التي تلتهمها المولدات والعتمة؟ هل سيولد من رحم الحرب الأهلية، من طفلٍ رأى كل شيء: المذابح، الشهداء، الانفجارات، ودفاتر المدرسة المحترقة؟ أم من شابٍ فقد الأمل، لكنه لم يفقد إيمانه بأنّ الوطن يمكن أن يُخلق من جديد؟
لبنان، ذلك البلد الذي جمع الله فيه كل التناقضات، يذكّرنا اليوم بأنّ الجمال وحده لا يكفي لبناء وطن، وأنّ البحر مهما كان أزرق لا يطهّر الفساد، وأنّ السهر الطويل في مقاهي الجميزة والحمرا لا يمنح الخلاص من الطوائف المتقابلة كالسيوف.
منذ أن سقطت بيروت بين أيدي الحرب، تغيّر وجهها. المدينة التي كانت تُعلّم العالم الصحافة والأدب والمسرح، أصبحت سجلّاً للخرائب. كل زعيم فيها ينام على راياته ويستيقظ على نشيده، كأنّ كل حزب دولة، وكل طائفة قارة، وكل زقاق جمهورية مصغّرة.
هنا، في هذا المكان الذي كان يُسمّى “باريس الشرق”، انقسمت الأرواح إلى فسيفساء من الهويات المتناحرة. صار اللبناني يقدّم نفسه أولًا كماروني أو شيعي أو سنّي أو درزي أو أرمني، قبل أن يقول ببساطة: “أنا لبناني”. كأنّ الكلمة الأخيرة أصبحت تهمة في بلدٍ أكلته المذاهب كما تأكل الحروب أبناءها.
في علم السياسة، تُقاس الأمم بما تملكه من مؤسسات قوية وعدالة وشفافية. أما في لبنان، فيُقاس البقاء بقدرة الطائفة على تحصين نفسها ضد الأخرى، وبعدد البنادق التي ترافق الزعيم، وبكمية الدولارات التي تتساقط عليه من الخارج. إنه اقتصاد الولاء لا الإنتاج، وسوق الزعامات لا الكفاءات، وجمهورية الشعارات التي لا تنتج سوى المزيد من الخراب.
لو طبّق اللبنانيون “نظرية الاحتمالات”، لأدركوا أن تكرار السيناريوهات نفسها لا يؤدي إلى نتائج مختلفة. فمنذ استقلالهم إلى اليوم، كلما دخلوا النفق، خرجوا منه وهم في النفق ذاته. كل حربٍ تنتهي بهدنةٍ مؤقتة، وكل هدنةٍ تنتهي بصفقة، وكل صفقةٍ تنتهي بفسادٍ أكبر من سابقه. حتى صار المواطن العادي لا ينتظر الكهرباء أو الماء، بل ينتظر “المعجزة” — الجواد المنتظر، الذي يأتي من خارج كل هذه المعادلات.
لكن من أين سيولد هذا الجواد؟ هل من رحم النظام الطائفي الذي ورثناه من الحرب الأهلية، أم من جيلٍ جديدٍ لا يعرف زعماء الطوائف إلا كأسماء على شاشات التلفزة؟ قد لا يأتي الجواد من قصور السياسيين، ولا من موائد السفراء، ولا من مقاعد البرلمان التي يتقاسمها الورثة. ربما يأتي من المرفأ ذاته، من بين الركام والملح، من شابٍ فقد عائلته في الانفجار لكنه لم يفقد عقله ولا إيمانه بأنّ الوطن ليس ملكاً لأحد.
الجواد الذي ننتظره ليس بالضرورة زعيماً بلباسٍ عسكري، ولا صاحب خطاباتٍ حماسية على الشاشات، بل رجلٌ أو امرأة تحمل مشروعاً لا يعتمد على الطائفة أو السلاح أو المذهب، بل على فكرة الدولة المدنية الحديثة. إنها معركة ضد الوراثة السياسية، ضد من حوّلوا الوطن إلى شركةٍ مساهمة، والشعب إلى زبائن دائمين على موائد المساعدات.
في أوروبا التي عشنا فيها قبل سنوات، تتبدّل الحكومات كما تتبدّل الفصول، فلا يرتجف البلد، ولا تُغلق المدارس، ولا تشتعل الشوارع. أما في لبنان، فإنّ سقوط وزيرٍ يمكن أن يُشعل حرباً، وعبارةً طائفية يمكن أن تُفجّر مدينة. هنا تكمن مأساة بلدٍ لم يُحسن بعدُ التمييز بين الوطن والزعيم، بين الحرية والفوضى، بين الديمقراطية والمناصفة.
كيف يمكن لجوادٍ منقذٍ أن يولد من رحمٍ مثقوبٍ بهذا الشكل؟ ربما بالمعجزة، وربما بإرادة جيلٍ يرفض أن يرث الخراب.
في القرى الجبلية التي تطلّ على المتوسط، ما زالت النساء يعلّقن صور الشهداء على الجدران، ويصلين لأبناءٍ غادروا ولم يعودوا. وفي بيروت، ما زال الشعراء يكتبون عن الحلم الكبير: أن ينهض لبنان مرةً أخرى كطائر الفينيق. لكن هذا الطائر كلما احترق، قام نصف جناحٍ فقط، أما النصف الآخر فبقي تحت رماد السياسة.
من أين يأتي الأمل إذن؟ ربما من ذاك الطفل الذي كان يختبئ تحت الطاولة حين كانت القذائف تتساقط، ثم خرج بعد الحرب ليقول: “كفى”. ذلك الطفل صار اليوم شاباً يرفض أن يُعرّف نفسه إلا بلبنانيته. لم يعد يهمه من يحكم، بل كيف يحكم. لا يريد علماً يرفرف فوق طائفته، بل دولةً تحميه كمواطن. هو الجواد المنتظر، وإن لم يمتطِ حصاناً.
لبنان بلدٌ عاش أكثر مما يحتمل التاريخ من التجارب. من الحرب الأهلية إلى الاجتياحات، من الطائف إلى الانهيار المالي، من الانتداب إلى الارتهان، ومن المرفأ إلى الانفجار. ومع ذلك، لم يمت. اللبناني ما زال قادراً أن يزرع فوق الركام وردة، وأن يحوّل الألم إلى موسيقى، والفقد إلى قصة حب. هذا وحده دليل على أن في أعماقه حياةً لا تموت.
لكنّ الأوطان لا تُبنى بالعواطف فقط. تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ، إلى زعماء لا يشترون الولاء بالدين أو الدولار، إلى إدارةٍ لا تفرّق بين ابن الطائفة وابن الجبل، إلى قضاءٍ لا يخضع للهواتف. يحتاج لبنان إلى ثورةٍ من الداخل، لا تشبه الثورات التي نعرفها، بل ثورةٍ في الوعي.
ربما سيكون الجواد القادم امرأة. امرأة تحمل في وجهها الحنان والحزم، قادمة من قريةٍ في الشمال أو الجنوب، درست في جامعةٍ لا تُباع فيها الشهادات، وتعرف أن الوطن ليس خزانة مالٍ ولا غنيمة حرب. امرأة لا ترفع شعارًا دينيًا، بل شعار الإنسانية. امرأة تضع الزعماء في حجمهم الطبيعي، لا في حجم الأسطورة.
سيقولون: “لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”، لكنها ستُثبت أن الفلاح الحقيقي هو في النزاهة والضمير. ستقود البلاد لا بالحروب، بل بالعدالة، وستعيد تعريف السياسة على أنها رعاية لا تسلّط، خدمة لا غنيمة. حينها، لن نحتاج إلى نبيٍّ جديد ولا إلى انقلاب. يكفي أن يُستبدل الخوف بالاحترام، والزبونية بالمواطنة، والولاء الأعمى بالمساءلة. فالوطن ليس معركةً بين طوائف، بل مشروعٌ إنسانيٌّ كبير، إذا خسرناه، خسرنا أنفسنا.
لبنان اليوم يقف على حافة زمنٍ غريب: نصفه في الهاوية، ونصفه في الحلم. وما بين الاثنين، يلمع الأفق كخيط أملٍ دافئ، يخرج من بين الغيوم كحافر جوادٍ يصهل في البعيد. ربما يتأخر، وربما يضلّ الطريق، لكنه قادم، لأنّ الشعوب التي تعبت من الحرب لا بدّ أن تُنجب السلام، ولأنّ الأرض التي تشربت الدماء لا بد أن تنبت يوماً ورداً جديداً،
ولأنّ لبنان — مهما انهار — لا يعرف الموت، بل يعرف كيف ينهض، كمن تعلّم من الله سرّ القيامة!

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
