بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، لا توجد أسباب كافية للاعتقاد بأن استعجال الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب يلقى صدى لدى صانعي القرار في إيران. صحيح أن عشرات من قادة إيران قُتلوا، وأن قدراتها العسكرية تراجعت بشكل ملحوظ، وأن برنامجها النووي تعرّض لمزيد من الانتكاسات. إلا أنها أظهرت قدرة استثنائية على الصمود؛ ويُستحضر هنا مثال حربها الطويلة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، التي استمرت عقدًا كاملًا. كما نجحت القيادات الدينية والسياسية والعسكرية في ترسيخ حكمها مؤسسيًا، فيما لا تشكّل المعارضة الداخلية تهديدًا فوريًا للنظام.
وبناءً عليه، تجد إيران نفسها في موقع قوي نسبيًا رغم خسائرها في ساحة المعركة. فهي تتلقى دعمًا من روسيا، وتواصل بيع النفط والغاز إلى الصين والهند وتركيا وباكستان. كما أن الحرب، إلى جانب تقييد استخدام مضيق هرمز أمام الآخرين، أدّيا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الإيرانيين بشكل ملحوظ. وزاد من هذه المكاسب قرار إدارة ترامب، الذي بدا غير مفهوم وغير مدروس، بالسماح لإيران ببيع نحو 14 مليار دولار من الوقود المحمّل بالفعل على ناقلات النفط، من دون شروط.
تبدو إدارة ترامب وكأنها تواجه صعوبة في إدراك طبيعة هذه الحرب. فوزارة الدفاع الأميركية تعرض أعداد الضربات العسكرية، بينما يتباهى الرئيس بتحقيق الانتصار. ويستحضر هذا المشهد حرب فيتنام، حين كان البنتاغون في عهد روبرت ماكنمارا يعتمد على عدد القتلى كدليل على التقدم نحو النصر، في وقت كان الواقع يشير إلى العكس تمامًا. فالولايات المتحدة تخوض حربًا تقليدية ضد الجيش الإيراني وقيادته، في حين تخوض إيران حربًا غير تقليدية تستهدف الاقتصاد العالمي واقتصادات جيرانها. وبعبارة أخرى، بالنسبة للولايات المتحدة، تُعد هذه حربًا محدودة مع خيارات متعددة؛ أما بالنسبة لإيران، فهي حرب غير محدودة ووجودية.
يدرك قادة إيران هذه الفوارق، كما استعجال الولايات المتحدة. فقد لاحظوا تراجع الرئيس ترامب عن تهديده السابق بضرب محطات الطاقة الإيرانية، كما سيُفسَّر تمديد الهدنة التي كانت لمدة خمسة أيام حتى السادس من نيسان على أنه دليل إضافي على تراجع شهية الولايات المتحدة للحرب. وهذا يمنح إيران حافزًا للاستمرار في الصمود، إلى جانب امتلاك أوراق ضغط في أي مفاوضات مستقبلية. فعلى غرار الفيتكونغ في فيتنام، لا تحتاج إيران إلى تحقيق انتصار حاسم بقدر ما تحتاج إلى تجنب هزيمة نهائية.
مع ذلك، دفعت إيران ولا تزال تدفع ثمنًا باهظًا لهذا الصراع. فقيادتها معنية بحماية نفسها، وحماية الثورة الإسلامية عام 1979، إلى جانب حماية موارد الطاقة والبنية التحتية الحيوية للاقتصاد الإيراني. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة أيضًا إلى إنهاء النزاع، بينما يحرص جيران إيران العرب على تجنب تدمير منشآتهم للطاقة والمياه وتفاقم الأضرار الاقتصادية لديهم.
السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه العوامل كفيلة بردع استمرار الحرب أو منع تصعيدها. ويستحضر ذلك نموذجًا مشابهًا لما وفّر قدرًا كبيرًا من الاستقرار في العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. فلم يكن لدى أي طرف حافز لشن ضربة نووية أولى، بسبب القناعة بأن الطرف الآخر قادر على الرد بضربة مدمرة مماثلة. وقد نجح مفهوم “الدمار المتبادل المؤكد” فعليًا في منع المواجهة.
وقد يكون شيء مماثل بدأ يتشكل في الشرق الأوسط. فالهجوم الإسرائيلي على حقل غاز “جنوب بارس” في إيران، وما أعقبه من رد إيراني استهدف قطر وغيرها، قدّم لجميع الأطراف لمحة عن تداعيات التصعيد. فالجميع يمتلك منشآت طاقة ومياه هشّة وقابلة للاستهداف. وبعد رؤية هذا السيناريو الكارثي، قد تميل الأطراف إلى التراجع. فإيران قد تكون مستعدة لإسقاط الجميع إذا سقطت، لكن هذا السيناريو ليس في مصلحة أحد.
أما إسرائيل، الطرف الثالث في الحرب، فقد تكون حالة مختلفة إلى حد ما. فحكومة بنيامين نتنياهو مستعدة لتبني سياسة تجاه إيران تشبه نهجها في غزة ولبنان. ومن منظورها، فإن حربًا مكلفة وطويلة، ودولة إيرانية ضعيفة، قد تكونان أفضل من دولة قادرة على تشكيل تهديد وجودي لإسرائيل. ومع ذلك، فإن إسرائيل ليست في موقع يمكّنها من تجاهل طلب من دونالد ترامب بالموافقة على وقف إطلاق النار.
لكن القول إن جميع الأطراف قد ترى مصلحة في تجنب الحرب الشاملة أو الانتقال إلى السلام لا يعني أن ذلك سيتحقق بسهولة. بل على العكس، فإن فرص التوصل إلى اتفاق سلام رسمي تُعد ضعيفة.
السبب الأكثر وضوحًا لهذا التقييم هو الفجوة الكبيرة بين المواقف الأميركية والإيرانية. فإيران تسعى للاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز، ووقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والحصول على تعويضات. كما لم تُبدِ إيران استعدادًا للتنازل بشأن برنامجها النووي أو الصاروخي، أو دعمها لحلفائها الإقليميين، فضلًا عن مطالبات بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
في المقابل، تسعى إدارة ترامب إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني وتقليص قدراته الصاروخية ووقف دعمه لحلفائه. كما تؤكد الولايات المتحدة أن مضيق هرمز ممر دولي لا ينبغي أن يخضع لسيطرة إيران. ومع ذلك، تبدو واشنطن مستعدة لتقديم تخفيف للعقوبات الاقتصادية ضمن أي اتفاق محتمل.
القضيتان الأهم هما البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز. في ما يتعلق بالبرنامج النووي، لا يوجد حل عسكري واضح. فالقصف وحده لا يكفي، وإرسال قوات برية لإخراج اليورانيوم المخصّب من إيران فكرة خطيرة وغير واقعية. الحل الوحيد يكمن في مفاوضات مشابهة للاتفاقات السابقة، تتضمن نقل اليورانيوم المخصب خارج البلاد، ربما إلى روسيا، وإخضاع البرنامج لتفتيش دولي. لكن يبقى السؤال: هل ستقبل إيران بقيود كافية، وهل سترضي هذه القيود الولايات المتحدة؟
أما بالنسبة لمضيق هرمز، الذي تسعى إيران للسيطرة عليه كممر دولي حيوي للاقتصاد العالمي، فهناك مقاومة أميركية وإقليمية لذلك. لكن العودة إلى الوضع السابق قد تكون صعبة بعد أن أدركت إيران قدرتها على استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية.
بيد أن أحد المقترحات يتمثل في إنشاء هيئة إقليمية أو دولية لإدارة المضيق، تضم إيران ودول الخليج مثل البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات، وربما العراق وعُمان. ويمكن لهذه الهيئة فرض رسوم عبور وتقاسم العائدات. قد يكون هذا الحل مقبولًا لطهران. لكن إذا أصرت إيران على السيطرة الكاملة، فقد تلجأ الأطراف الأخرى إلى فرض حصار دولي على المضيق، ما قد يدفع إيران إلى إعادة النظر في موقفها.
يتطلب التوصل إلى اتفاق سلام شامل واقعية من جميع الأطراف. كما أنه يتطلب تنازلات متبادلة لإرساء نظام إقليمي مستقر بعد الحرب. غير أن مدى استعداد الولايات المتحدة أو إيران لتقديم هذه التنازلات لا يزال غير واضح. لذلك، يبدو أن السلام المستقر لا يزال احتمالًا بعيدًا في الوقت الراهن.
مع ذلك، ثمة احتمال آخر لا يتمثل في تغيير النظام أو التصعيد الشامل أو السلام الرسمي، بل في شرق أوسط فوضوي، يشهد موجات متكررة من العنف المحدود، ودورًا إيرانيًا متزايدًا في مضيق هرمز، من دون اتفاق نووي واضح. حتى الآن، يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، خصوصًا إذا قررت إدارة ترامب إعلان النصر وتقليص وجودها في المنطقة.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
